«إذا لم تحصل تطورات غير متوقعة»، حسب التعبير السائد في اليومين الأخيرين ببيروت؛ فإن لبنان على موعد، هذا اليوم، مع الإعلان عن ولادة حكومته الجديدة. كافة الأطراف، زفّت هذه البشرى؛ بصورة أو بأخرى. البعض ذهب إلى حدّ التأكيد بأن «الحكومة ولدت» فعلاً، خلال إجازة نهاية الأسبوع؛ ولم يبق غير صدور البيان الرسمي ومراسيم التعيين. فقط وضع «اللمسات الأخيرة»، قضى بتأجيل الإفراج عن التشكيلة، إلى اليوم الاثنين.

تضافرت الظروف اللازمة وقضت بوجوب انضاج الطبخة الحكومية. كما تقاطعت المؤثرات المختلفة، عند ضرورة إخراجها من عنق الزجاجة. بذلك يسدل الستار على مسيرة خمسة أشهر من الانتظار والتأرجح بين موجات باردة وأخرى ساخنة. أكثر من مرة، خلالها، كاد الانسداد يعيد الساحة اللبنانية، إلى سابق عهد الأزمة؛ من توتر واحتقان. كادت عقدة التأليف أن تتحول إلى أزمة حكم.

البلد عاش حالة مديدة من الانتظار المفتوح على المزيد من الإحباط؛ لكثرة ما قيل عن تعقيدات داخلية، من حقائب وأسماء وحصص؛ كما عن حسابات وقرارات وأضواء، حمراء وخضراء، خارجية وإقليمية. وما زاد من الحيرة، أن الكل كان يتحدث بلغة المرونة والرغبة في التسهيل؛ ومع ذلك بقي الإخفاق سيد الموقف، طوال تلك المدة.

توالي وتسارع الاتصالات أدّى، بالنهاية، إلى هبوب رياح الحلحلة وثم إلى تفكيك العقبات وإزالتها من الطريق. ومن المفترض أن تبصر الحكومة النور؛ قبل غياب شمس هذا النهار. ومع هذه الولادة تكون صفحة أخرى، علّها تكون الأخيرة، من فصول الأزمة اللبنانية المتتالية حلقاتها منذ سنوات؛ قد طويت. وفي ذلك ما يدعو إلى الارتياح وما يعطي هذا البلد فسحة لاتقاط أنفاسه والعودة بأوضاعه إلى السكّة السويّة.

لعبة العضّ على الأصابع والصراع فوق ساحته، أنهكته. بل كادت تطيح تماسكه وتهدّد نسيجه. أصلاً توازنات معادلته، الداخلية والسياسية، دقيقة. والمرحلة الأخيرة وما شهدته من هزاّت، زادت من شدّة التهاباتها وسرعة عطبها. لكن في الوقت ذاته، أظهرت عن قدرة على الانتظار، بالرغم من إحباطاته وطول أمده.

المأمول أن يكون في ذلك دليل على استفادته من دروس تجاربه العديدة. وعلّ مجيء الحكومة هذه، بعد كل المطبّات التي مرّت بها، يؤكد هذه الدروس. وبالتحديد اثنين منها: أن الحوار بين الأطراف اللبنانية، هو السبيل الوحيد الذي لا يخرج معه خاسر ورابح. وثانياً أن الحلول، في آخر المطاف، لابدّ وأن تكون صناعة محلية. بالنهاية، اللبنانيون هم المعنيون، أولاً وأخيراً، بالتوافق والعيش المشترك. ويعرفون من تاريخهم ومحطاته المؤلمة، أن مثل هذه الصيغة هي أساساً، قرار لبناني يترجم إرادة لبنانية.