إذا كان البيان هو أن تقتضب وتقول كل شيء في الآن نفسه، فإن الكلمة السامية التي ألقاها جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – في رحاب المخيم السلطاني بولاية عبري عصر أمس، جاءت لتؤكد هذا المعنى. أن القليل يعني الكثير، وأن الحكمة تقدم للإنسان زادا للتعامل مع الحياة بخبرة مبنية على التأصيل للأمور بما يتقاطع مع متطلبات العصر، ولا يتأتى ذلك إلا عبر لغة المعرفة التي تعني الانتقال بالأفكار من حيز العلم والمعلومة إلى الخطط والبرامج الفاعلة التي يحكمها إطار الرؤية الاستشرافية.
لعل المحور العام الذي جاءت به الكلمة السامية يشير إلى أنها تدور حول فكر الأمن الغذائي والزراعة، والتي هي أحد المشاغل في العالم اليوم، بيد أن التبصر بدرجة أعمق في دلالات الكلمة يكشف لنا أنها تؤسس للعديد من الأفكار التي يمكن أن تشكل بوصلة لبرنامج عمل طموح ومتأن مشفوع بالدقة والعلمية.
إذا كان الأمن الغذائي تمثل في الإشارة لما جاءت به ندوة الزراعة المستدامة من توصيات، والتوجيهات السامية بزراعة مليون نخلة على أرض عمان خلال خمس سنوات، إلا أن ما وراء ذلك، مجموعة من الأفكار الجوهرية التي نستعرضها هنا:
أولا: فكرة أن التفعيل هو الأهم.. فقد أكد جلالته أن الندوة المذكورة خرجت بتوصيات غير أن الأهم من ذلك هو تفعيل هذه التوصيات، وهذا يعني أن برامج العمل في أي مشروع قد تطرح أفكارا جيدة، لكن التحدي يكون في تحويل البرنامج إلى رؤى شاخصة، عبر المتابعة والتوجيه المستمر، وهو ما أكدته الكلمة السامية.
ثانيا: أن أي مشروع لابد أن يواجه ببعض الظروف أو «ما يعتقد أنه معوقات»، وهذا يعني ضرورة الدراسة وإعادة الدراسة مع الحوار بهدف تجاوز «المعوق»، والإشارة المهمة هنا أن جلالته – حفظه الله – ينوه إلى أن «المعوق» لا وجود له، طالما أن الإنسان سوف يوظف عقله ليدرس ويراجع الأمر، والبديل لكلمة معوق «ظروف تتطلب المعالجة»، وهذا يجعل الإنسان أمام أي مشكلة يشعر دائما بأن الحل ممكن وأنه لا مستحيل في ظل الاجتهاد المتواصل.
ثالثا: الانتباه لكنوز الإنسان وتراثه، وأن حل المشكلات يتأتى من مراجعة إمكانيات الذات لا بالحلول الخيالية وكما يقال «أن الكنز بجوارك وقد لا تراه»، وهذا يفسر بوضوح عبر التفسير الذي قدمه جلالة السلطان المعظم إجابة عن السؤال: «لماذا نخلة؟!.. ولماذا مليون؟!»، فقد أشار جلالته إلى تاريخ النخلة وارتباطها بالأرض والإنسان العماني، وأنها كانت رفيقه في قرون التاريخ الطويلة، وبالتالي فرد الاعتبار للنخلة هو تأصيل يواكب في الآن نفسه العصر ويحل مشكلة حديثة.
رابعا: بيد أن ما يتوجب منا الانتباه له أن إعادة رد الاعتبار للنخلة سيتم وفق قراءة عصرية تواكب المتغيرات، وفي هذا الإطار تأتي مجموعة من الرؤى التي أشار إليها جلالته – حفظه الله ورعاه – ويمكن تلخيصها في:
- برمجة المشروعات بتحديد مدة زمنية ووضع الاعتبار للطوارئ (حدد جلالته خمس سنوات وسنتين اضافيتين تحسبا للظروف).
- تخريج العمل من الفردية إلى الجماعية وأسلوب الشراكات الإنتاجية الجماعية الحديثة صغيرة كانت أم كبيرة، «فاليد الواحدة لا تصفق.. ويد الله مع الجماعة»، وهو أسلوب عصري في البناء الاقتصادي له ما يؤصل له في تراثنا.
- رد الاعتبار لمفهوم «بيت المال» الذي له ارتباط قوي بتاريخ الإنسان العماني والتاريخ الإسلامي بشكل عام، فالمليون نخلة ستدار بناء على هذا الأساس، ومدرك أن بيت المال يعني «الجهة التي تملك المال العام وتديره»، وهذا فيه تأكيد للتكافل الاجتماعي وشراكة الناس في الغذاء.
خامسا: يمكن استلهام فكرة أن المستقبل ينبني على تراث الإنسان الذي يعمل على تطويره ليواكب به مستجدات حياته، وأن الفكر القديم يمكن أن يعاد إنتاجه ليواكب العصر، بمراعاة الآليات المستجدة.
هذه النقاط قطعا لا تلخص كل المعاني التي يمكن لنا استلهامها من الكلمة السامية، ولكن نعتبرها مجرد نقاط مضيئة نستند عليها لفتح الرؤية نحو المزيد من الاستلهامات. والتي نأمل أن يقوم عليها باحثون مجدون من أبناء عمان، بحيث تتم قراءة:
كيفية إعادة توظيف الآليات التراثية والمتوارثة في متطلبات العصر، كذلك قراءة فكر جلالة السلطان المعظم في مفاهيم الإدارة والبرمجة الحديثة للمشروعات و«فقه التفعيل» بمعنى الانتقال من المُوصى به إلى المرئي والمنجز، أيضا تأسيس رؤية جديدة لكيفية قيام اقتصاد يتخارج من الأساليب الكلاسيكية في العمل الفردي بالانتقال إلى الفكر الجماعي في العمل والإنتاج.
وما يمكن أن نلخص به محصلة هذه الإشارات أن العقل البشري يجب عليه دائما أن يبحث عن الحلول المبتكرة وأن لا يظن أن ثمة معوقا يجعله يتعطل عن الإنتاج والإبداع والإضافة، غير أن ما يحكم ذلك عدد من العوامل التي يجب أن تتوافر للفرد أو الجماعة وإن كان من الصعب حصرها إلا أن أبرزها:
دراسة المشكلات بترو بحثا عن الحلول الجديدة، والاستناد إلى الإرث في إيجاد الحل، مع ربط القديم بالجديد في علاقة غير تقليدية تخرج بحلول لم تكن تخطر على البال، أيضا الإيمان بقدرات الذات قبل كل شيء، وأن الله مع كل مجتهد.
