التخبط في تصريحات وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون حول القضية الفلسطينية، أثناء جولتها بالمنطقة هذا الأسبوع، لا يعكس جهلاً بالقضية وتفاصليها، بل يعكس عجز الإدارة الأميركية وهزيمتها الساحقة أمام حكومة نتانياهو، وأمام اللوبي الصهيوني المسيطر على الكونغرس. ولو كانت تصريحات وزيرة الخارجية الأميركية في المغرب ومصر قد جاءت في سياق آخر لنالت كل الترحيب، فهي تؤكد على أن سياسة بلادها لم تتغير تجاه الاستيطان الذي تعتبره غير شرعي، وتتمسك بأن هدف السياسة الأميركية إقامة دولة فلسطينية بسيادة حقيقية، وتشير إلى أن التحرك نحو هذه الدولة يجب أن يشمل بحث كل القضايا بما فيها القدس.

لكن عندما تجيء هذه التأكيدات بعد ردود الفعل الفلسطينية والعربية العنيفة على تصريحات الوزيرة الأميركية في القدس المحتلة، فإنها تفقد أي قيمة حقيقية وتصبح مجرد محاولة لتهدئة الخواطر، وتأجيل استخراج شهادة الوفاة لهذا التحرك الأميركي الذي أطلقه الرئيس أوباما، ووصل إلى حافة الهاوية حين وقفت السيدة كلينتون بجوار نتانياهو في القدس المحتلة، لتبتلع تأكيداتها وتأكيدات الرئيس أوباما السابقة بضرورة إيقاف الاستيطان، كمدخل أساسي للتفاوض حول تحقيق حل الدولتين وإنهاء الصراع، ثم توجه الشكر والتحية إلى نتانياهو بسبب تنازلاته غير المسبوقة (!!) وهي «تنازلات» تتضمن بناء وحدات سكينة في المستوطنات تفوق ما تم بناؤه في العامين السابقين، بحجة أن التصريحات قد صدرت ببنائها، وتستثني القدس باعتبارها خارج أي تفاوض!

ولأن هذه التنازلات «غير مسبوقة» كما رأت الوزيرة الأميركية، فقد طالبت الفلسطينيين بانتهاز فرصة الكرم الحاتمي لنتانياهو لأنها لا تتكرر كثيراً، والدخول فوراً في المفاوضات «بدون شروط مسبقة».. أي بالقبول بأن القدس قد ضاعت للأبد، وبإغماض العيون عن استمرار الاستيطان، وبالدخول في مفاوضات تستمر 16 عاما أخرى بلا نتيجة، إلا إزالة بعض الحواجز وعبور بعض الأغذية للشعب المحاصر، وربما المساهمة في تقليل البطالة بالسماح للعمال الفلسطينيين بالعمل في بناء المستوطنات الإسرائيلية!!

وقد رفضت السلطة الفلسطينية دعوة الوزيرة الأميركية لاستئناف المفاوضات، وأدرك من تفاءلوا بتحرك الرئيس الأميركي أوباما لإطلاق عملية سلام تنتهي بإقامة الدولة الفلسطينية باعتبار ذلك «مصلحة أميركية»، أن تفاؤلهم تجاوز الواقع، وأن القصة انتهت قبل أن تبدأ، وأن الرئيس الأميركي وإدارته قد لقيا الهزيمة أمام حكومة نتانياهو وأمام الكونغرس الأميركي المنحاز بكامله لإسرائيل، والقابض على رقبة الرئيس الأميركي الذي لا يستطيع التحرك إلا بدعم الكونغرس في كل القضايا الأساسية..

من أفغانستان، إلى الأزمة المالية، إلى برامج الإصلاح الاجتماعي والصحي.. ولأن الإقرار بالهزيمة وإعلان الفشل سيكون لهما ثمنهما الفادح كما تعرف الإدارة الأميركية.

وإذا كانت السلطة الفلسطينية هي أول الضحايا، فإن الفوضى العارمة في المنطقة قد تبدو في نهاية الطريق، ومن هنا سارعت وزيرة الخارجية الأميركية لإطلاق تصريحات التهدئة، ومن هنا ذهبت إلى القاهرة بحثاً عن مخرج يؤجل ـ على الأقل ـ انفجار الموقف، ولتسمع تفاصيل عن طلب القاهرة ضمانات أميركية بأن تؤدي المفاوضات (إذا استؤنفت) إلى قيام الدولة الفلسطينية، على كامل أراضي 67 وعاصمتها القدس، وفي توقيت محدد ونهائي.

والجدير بالذكر أن وزيرة الخارجية الأميركية تحدثت في زيارتها الأخيرة للقاهرة عن الاتفاق الذي كان وشيكا في نهاية ولاية زوجها في محادثات طابا.. أي أنها تدرك أن أساس الحل (حتى لو اختلفنا حوله) موجود، ولو كان أوباما قد قام بتطويره وسارع بتقديم خطة كاملة لتنفيذ حل الدولتين، مع بداية عهده وفي ظل ما كان يتمتع به من تأييد هائل، لكان الأمر قد اختلف.. أما الآن وبعد الهزيمة التي تلقاها وبعد فقدان الثقة بقدرته على فرض رؤيته لحل يراه «مصلحة أميركية».

فإن على الجميع أن يدرك أن من فشل في تجميد المستوطنات لن يستطيع التحدث عن إنهاء الاحتلال، وأن الحل مستحيل مع حكومة نتانياهو، ومع الانقسام الفلسطيني والتشرذم العربي، ومع هزيمة أوباما أمام اللوبي الصهيوني.. ولا يبقى إلا أن تدخل القضية الفلسطينية من جديد في مرحلة «استهلاك الوقت»، تفاديا لاستخراج شهادة الوفاة ل»الحل التاريخي»، الذي كان بعض المتفائلين يتصورون أنه في قبضة اليد!

وفي مرحلة «استهلاك الوقت» سنجد أطرافاً عديدة تلعب أدواراً محددة، مثل تلك التي كان يلعبها رئيس الوزراء البريطاني السابق بلير، وربما تكون «فرنسا ساركوزي» هي الأقرب للعب هذا الدور الآن، لمنع انفجار الموقف في المنطقة. وستأتي أطراف أخرى من هنا وهناك، انتظاراً لجهد أميركي جديد ربما لا يأتي ـ كالعادة ـ إلا في نهاية الولاية الثانية لأوباما، إذا أعيد انتخابه.. لكن السؤال: هل تنجح هذه الجهود في تبريد الموقف ومنع الاشتعال، أم أن تطورات الأحداث ستقود لحرب جديدة في المنطقة؟!

هذا هو السؤال الذي لا يملك العرب ـ كالعادة ـ إلا التماس إجابته عند الآخرين، لأنهم سيظلون مشغولين للأبد بمتابعة أخبار المصالحة الموعودة بين الفصائل الفلسطينية والأطراف العربية.. قل إن شاء الله!

كاتب مصري

galal.aref@hotmail.com