من بين مفردات عديدة دخلت قاموس الجدل السياسي في البحرين في السنوات الأخيرة، تكتسب مفردتا «الأغلبية الصامتة» وقعا أخاذا بعض الشيء، وإن تراجع استخدامها في الآونة الأخيرة.

لقد شاع استخدام هاتين المفردتين في لحظات الانقسام الشديد، لا في البحرين فحسب، بل في بلدان ومجتمعات عدة. فلطالما كرر كتاب كثيرون هاتين المفردتين تعبيرا عن فريق ثالث مغيب دوما عن الجدل، أو عازف عن الخوض فيه لأن طرفيه لا يمثلان وجهة نظره. والمصطلح يحيلنا دوما إلى «مجهول» بصيغة الضمير الغائب، بقليل من الإيحاء بأن هناك حكمة تتخفي وراء الصمت، وفي الغالب قدر غير قليل من الخوف.

لقد شاع استخدامه في لبنان طيلة سنوات الحرب الأهلية، وشاع أيضا في العراق. وإذا كانت المدلولات هنا جد سلبية، فإن هذا كفيل بأن يشرح لنا قليلا الأسباب التي تدفع البعض لاستخدامه في لحظات الانقسام الشديد أو تضارب الأولويات، أو حتى حالة من حالات الاحتراب.

في حالات الاحتراب، فإن مفردة الأغلبية الصامتة تشير دون شك إلى عنصر الخوف الذي يكمم أفواه الغالبية من الناس، والأمر نفسه في حالات الانقسام الشديد بين طرفين لم يتخلصا من نزعات الإقصاء وتقاليد الترهيب للرأي المستقل. لكن هذا المصطلح ليس ابتكارا شرقيا محضا، بل إنه إحدى كلمات مفتاحية ارتبطت بحقبة من الحياة السياسية الأميركية، ابتدأت في السنوات الأولى من ستينات القرن الماضي، مع واحد من أكثر الرؤساء الأميركيين إثارة للجدل، هو الرئيس السابع والثلاثون الجمهوري «ريتشارد ميلهوس نيكسون». لقد استخدم نيكسون مفردة «الأغلبية الصامتة» في حملاته الانتخابية للرئاسة، ولعل هذا يردنا إلى تلك السنوات التي تسلم فيها الرئاسة.

لقد كان العهد القصير للرئيس جون كينيدي الذي هزم نيكسون في انتخابات العام 1960، ذروة انقسام في أميركا بلغ أوجه في السنوات اللاحقة من عهد نيكسون. لقد شكلت احتجاجات الطلاب على حرب فيتنام الإطار الأشمل لعهد تميز باحتجاجات سياسية وحقوقية واسعة، تعبر عن انبعاث لتطلعات أجيال جديدة من الأميركيين، مثل حركة الحقوق المدنية للأفارقة الأميركيين التي أطلقها القس مارتن لوثر كينغ، وحولها اغتياله إلى احتجاجات قومية شملت الولايات المتحدة كلها في عهد ليندون جونسون سلف نيكسون في الرئاسة.

وكانت أنجيلا ديفيز اليسارية الأميركية، قد تحولت أيقونة أخرى لنضال اليسار الأميركي والأفارقة الأميركيين أيضا. دعونا نتذكر أن قوائم جوزيف مكارثي كانت لا تزال نافذة. ولعل لهذا التذكير أهمية، لأن نيكسون كان عضوا فعالا في اللجنة التي ترأسها مكارثي وكان صديقا مقربا له.

جاء نيكسون في حملته الانتخابية عام 1968، واستخدم تعبير «الأغلبية الصامتة» ليداعب أحلام الناخبين الأميركيين بعهد ينهي الانقسام العميق الذي طبع البلاد في ذلك الحين. ورغم منجزات نيكسون على صعيد العلاقات الدولية (أول زيارة للصين ومعاهدة الحد من التسلح مع الاتحاد السوفيتي) باعتباره من أشد أنصار التيار العالمي داخل الحزب الجمهوري في ذلك الوقت، إلا أنه أخفق في ترجمة أمنيات الأغلبية الصامتة التي تحدث عنها في حملاته الانتخابية.

إن الانقسام الذي دفع نيكسون إلى تبني تلك العبارة، لم ينته. فنيكسون الذي يوصف بأنه عملي للغاية، كان ذا سياسات انقسامية، بل واحترابية أيضا. كان يسعى إلى ما اسماه ب»سلام مشرف» مع الفيتناميين، لكن محادثات السلام التي دخلتها إدارته مع الفيتناميين في باريس، سبقها توسيع لنطاق الحرب إلى كمبوديا المجاورة، وتصعيد حملات القصف الجوي على فيتنام الشمالية. وهو هنا لم يفعل سوى زيادة وتيرة الاحتجاجات داخل أميركا نفسها ضد الحرب.

ولم يشهد عهده أي مبادرة لتهدئة الانقسام الداخلي أو معالجته، بل إنه افتتح عهد رئاسته الثانية بأكبر فضيحة في التاريخ الأميركي، هي فضيحة «ووترغيت» التي أجبرته على أن يكون أول رئيس أميركي يستقيل من منصبه بدافع مسؤوليته الشخصية عن الفضيحة.

مثال نيكسون لا يؤثر كثيرا في مضمونها، فثمة أغلبية صامتة في كل مكان وفي كل بلد يشهد قدرا من الانفتاح السياسي وحدودا معينة من الجدل. لكنها عبارة تزدهر دوما في لحظات الانقسام الشديد لتحيلنا إلى صمت من نوع آخر، بدافع الخوف غالبا والحكمة نادرا. لهذا فهي تشكل إحدى الأدوات لفهم طبيعة الجدل في بلد ما وفي مجتمع ما، فما أن يشيع استخدام هذه العبارة، حتى ندرك أن ثمة خلل يعتري خطاب وسلوك طرفي الانقسام.

كاتب وصحافي بحريني