تشير خبرة التعامل مع الملف النووي الكوري الشمالي، إلى أهمية الدور النشط والبارز الذي تلعبه الدول الواقعة في النطاق الإقليمي لمنطقة شرق آسيا، في إيجاد حل لذلك الملف، حيث انه ومنذ بروز قضية البرنامج النووي الكوري، برز دور كل من الصين وكوريا الجنوبية واليابان بالإضافة لروسيا، في العمل والسعي المشترك مع الولايات المتحدة لإيجاد حل للخلافات القائمة حول تلك القضية.
وبغض النظر عن درجة نجاح ذلك الدور أو فشله، فإن المشاركة الإقليمية لدول شرق آسيا وروسيا، تعطي انطباعاً بحقيقة أن الدول الواقعة في ذات الإقليم لا بد أن تكون عضواً فعالا في حل قضاياه ومشاكله، لا سيما تلك القضايا التي تهم المنطقة بأسرها كقضية الملف النووي. مثل هذه النظرة جعلت البعض يدعو إلى مشاركة الدول العربية في المساعي الدولية لإيجاد حل للخلاف الدائر بين المجتمع الدولي وإيران حول البرنامج النووي الإيراني، باعتبار أنها أطراف متأثرة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بتداعيات استمرار الأزمة.
لكن المتابع يلحظ أن الدور العربي غائب عن موضوع ملف إيران النووي، حتى من تلك الدول التي ترى نفسها أكثر عرضة للتهديد والخطر من غيرها، كما هو حال الدول الخليجية مثلاً. هذا الغياب العربي يمكن أن يُفسر بأنه نتاج ثلاثة عوامل أساسية، هي:
أولاً، الانقسام العربي حول العلاقة مع إيران، حيث لا يوجد إجماع عربي حول طبيعة العلاقة مع إيران وطبيعة الموقف من برنامجها النووي. فهناك دول تتحالف مع إيران وتؤيدها تأييداً شبه مطلقا في ما تقوم به من مساع لتطوير برنامجها النووي، من دون أن يثير عدم تعاون إيران الكامل مع المجتمع الدولي حول برنامجها النووي أي تخوف لديها، وكأن حصول إيران على السلاح النووي هو مصدر قوة لها لا مصدر تهديد وعدم اتزان في علاقتها معها.
وهناك دول عربية لا تقيم علاقات دبلوماسية مع إيران، وتعتقد أن إيران دولة مثيرة للمتاعب لها ولأمنها فتقف في وجهها، وتعتبر امتلاك إيران للسلاح النووي تهديدا خطيرا لها ولمصالحها.
وهناك دول لديها مصالح اقتصادية بالدرجة الأولى مع إيران، وتحاول أن تحافظ عليها من خلال عدم اتخاذ مواقف متشددة من شأنها التأثير على تلك المصالح. وهناك دول متخوفة من إيران ومن برنامجها النووي، لكنها لا تود أن تبرز على أنها معادية لإيران، فتتبع أسلوب الغموض البناء والذي من خلاله تظهر دعماً علنياً لبرنامج إيران النووي السلمي ولحقها في مثل هذه التقنية، ولكنها لا تكف عن إبراز تخوفها من نوايا إيران غير المعلنة.
هذا الانقسام في المواقف العربية حول العلاقة مع إيران، جعل من الصعب على الدول العربية أن تجسد موقفاً عربياً واحداً وقوياً تجاه الخلاف الدائر حول برنامج إيران النووي، وبالتالي غياب الدور العربي عن ملف يعتبر هاماً لدول المنطقة بأسرها.
ثانياً، لا توجد دولة عربية يمكن أن تلعب دور الوسيط بين إيران والدول الكبرى، لا سيما الولايات المتحدة، في حوارها حول برنامج إيران النووي. فالعراق البلد القريب من كلا الطرفين لا سيما الإيراني والأميركي، ما زال يواجه مشاكله الداخلية ولم يتمكن من تكوين شخصيته بعد، كما أن إيران والدول الأخرى لا تثق كل الثقة في أن العراق يستطيع أن يكون وسيطاً إيجابياً في هذا الموضوع. من جهتها فإن سوريا التي تتمتع بعلاقات قوية مع إيران، تفتقر إلى ثقة الغرب، لا سيما الولايات المتحدة التي ما زالت على خلافات مع سوريا حول تقاربها مع إيران.
أما الجزائر فقد كانت في يوم من الأيام طرفاً يمكن الاعتماد عليه، حيث لعبت دوراً في إيجاد صيغة للخلافات القائمة بين إيران والعراق في الماضي، إلا أن قرب الجزائر اليوم من الولايات المتحدة يجعل إيران غير مستعدة للقبول بها كوسيط. فغياب الدولة العربية التي يمكن أن تكون وسيطاً بين الطرفين المختلفين، يشكل عاملاً هاماً من العوامل المفسرة لبعد العرب عن التأثير في موضوع الملف النووي الإيراني والخلاف الدائر حوله.
ثالثا، إن إيران ذاتها لا تود للعرب أن يكون لهم دور في ما يتعلق بالخلاف الدائر حول برنامجها النووي، وهو عكس الحال مع كوريا الشمالية التي كانت تؤيد مشاركة الدول الإقليمية في رعاية مفاوضاتها حول برنامجها النووي. عدم رغبة إيران في إدخال الدول العربية كطرف في قضية برنامجها النووي، يعود في الأساس إلى عاملين هامين، هما عدم رغبة إيران في إعطاء دور أكبر للدول العربية وثقل سياسي في العمل على حل قضايا المنطقة، واقتناعها بأن العرب ليس لديهم ما يمكن أن يقدموه لإيران في هذه الفترة بالذات.
فإيران في هذه الفترة تبحث لنفسها عن شيئين؛ هما فرص لتخصيب اليورانيوم، وكذلك عن تحقيق الأمن لنفسها. وهي تدرك أن تخصيب اليورانيوم في يد الدول الكبرى، وتحقيق الأمن وسلامة النظام السياسي الإيراني هو في يد الولايات المتحدة بالدرجة الأساسية. وبالتالي فإن الدول العربية ليس لديها ما يمكن أن تقدمه لإيران في هذين الأمرين، مما جعل إيران لا تتحمس لفكرة إدخال العرب على خط المداولات الجارية حول برنامجها النووي.
وهذا بالطبع عكس الحال التي كانت عليها كوريا الشمالية، التي كانت تدرك أن الدول الإقليمية ككوريا الجنوبية واليابان، لديها من الإمكانيات ما يمكن أن تقدمه لكوريا الشمالية، لا سيما في مجال التقنية والمساعدات المالية والاقتصادية.
هذه العوامل الثلاثة لعبت دوراً في جعل الموقف العربي بعيداً كل البعد عن ملف الخلاف الدائر حول البرنامج النووي الإيراني، وجعلت معظم الدول العربية ترمي ثقلها وراء المجتمع الدولي لإيجاد صيغة حل مناسبة، تمنع إيران من أن تصبح قوة ذات قدرة نووية عسكرية ملموسة.
جامعة الإمارات