فتح ثغرة في جدار الفصل العنصري، حدث يتجاوز يوميات الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي. فهو، برمزيته، أبعد من عملية فك كتلة اسمنت مسلّح؛ من هذا الحاجز العدواني البغيض وإسقاطها. وبمدلولاته، يتعدّى حجمه كعملية محدودة. وتزداد أهميته، أنه حصل بالذات؛ في هذه اللحظة القاسية والمحبطة. وربما تصبح كل هذه الأبعاد أغنى، من جرّاء تصادف هذا الإسقاط مع الذكرى العشرين لسقوط جدار برلين.
الفجوة، التي أحدثها فلسطينيون وناشطون، عند قرية نعلين في الضفة؛ هي الأولى من صنفها. وهذا بحدّ ذاته تطور نوعي. الأهم من ذلك، أنها تأتي كتعبير عن استمرار إرادة التحدّي للاحتلال وللظروف الراهنة، بكل صعوباتها وانسداداتها. النجاح في كسر هذا الحائط الأسود، وضع الكرة وبقوة، في ملعب الأطراف السياسية الفلسطينية. لم يعد مقبولاً أن يقوى الفلسطيني على التصدّي لجدار الفصل الإسرائيلي وإحداث فتحة في بنيانه؛ في حين يبقى الجدار السياسي العازل قائماً على حاله، بين غزة ورام الله.
ظروف العملية كانت مواتية. إسرائيل مطاردة بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، في غزة. الجمعية العمومية للأمم المتحدة، صوّتت بأغلبية كاسحة، 114 مقابل 18؛ لصالح قرار يطالبها بإجراء تحقيق، بالاتهامات الواردة في تقرير غولدستون. صحيح أن القرار جاء خلواً من آلية، يحال التقرير بموجبها فوراً إلى مجلس الأمن الدولي، في حال عدم تطبيق توصية القرار بصورة مرضية. الأوروبيون وواشنطن فرضوا نصّاً ضبابياً، في هذا الخصوص؛ إذ أوصى القرار برفع المسألة إلى المحكمة الجنائية الدولية، إذا امتنعت إسرائيل عن القيام بالتحقيق؛ في غضون ستة أشهر.
التقرير، شقّ طريقه؛ ولو أنه، بالنهاية، قد لا يحال إلى المجلس ثم إلى المحكمة؛ في ضوء ما تتمتع به إسرائيل من فيتوات بالنيابة. لكن يبقى أن هذه الأخيرة وضعت في قفص الاتهام الدولي، عبر التصويت الدولي في مجلس حقوق الإنسان؛ ثم في الجمعية العمومية. علاوة على أن العديد من مسؤوليها باتوا يتهيبون السفر إلى الخارج، خاصة أوروبا، خوفاً من الملاحقة بتهمة الانتهاكات التي ارتكبت، خلال العدوان على غزة. بالإضافة إلى أن إسرائيل باتت أيضاً في قفص الاتهام بنسف كل فرص السلام وعن عمد وتصميم.
فتحة نعلين، جاءت على هذه الخلفية. وكأنها، في جانب منها، تمثل دعوة مستعجلة؛ ليس فقط لفتح فجوة مماثلة في الحاجز العازل بين الضفة والقطاع، بل أيضاً لحسم الأمر وإسقاطه كلياً وفي أقرب ما يكون. طاولة الحوار، فارغة منذ فترة. الظروف تدعو بل تلحّ على الرجوع إليها وترميم التصدع في جدار الوحدة الوطنية.
