مازال مسؤولو المجتمع الدولي يتحدثون عن السلام في المنطقة وأهمية تحقيقه، وما زال الجميع على طريقة الواعظين، يكثر من الكلام دون أن يفعل شيئاً ملموساً على أرض الواقع يشعرنا أنه بصدد التحرك الفعلي لوضع النقاط على الحروف وتسمية الأشياء بمسمياتها.

هذه الحال هي السمة الرسمية للسياسة الدولية، وقد كانت كذلك منذ واحد وستين عاماً، ولا تزال الوفود والشخصيات الدولية تتقاطر إلى المنطقة، بينما الأوضاع تزداد تدهوراً ولا تلقى المنطقة إلا الوعود المعسولة والتصريحات الطنانة لإيهامنا بأن ثمة من دبت فيه الحمية والغيرية على الاخلاق والعدالة والقانون الدولي. ‏

لو استعرضنا بعد كل هذه التحركات والتصريحات، ماذا كانت النتائج؟ لوجدنا أن اليوم أسوأ من الأمس وأن العام الحالي أسوأ مما سبقه بالنسبة للقضية الفلسطينية بشكل خاص وللمنطقة بشكل عام. ‏

فالمجتمع الدولي أعجز من اتخاذ قرار يلجم العنصرية الاسرائيلية والعدوانية المتأصلة في السياسة الاسرائيلية، وإن مايسمى الرباعية الدولية انصاعت تماماً للمزاج الاميركي واستئثار الادارة الاميركية بما يسمى الحل وعملية السلام، بينما تركزت السياسة الأميركية فقط على استرضاء إسرائيل وتأمين رغباتها ودعم تمردها على الشرعية الدولية وحتى تبني اعتداءاتها على الشعب الفلسطيني، وما جرى بشأن تقرير غولدستون كاف للدلالة على هذا الموقف الأميركي المنحاز لجهة العدوان وليس لجهة منطق الحق والعدالة. ‏

ثم ماذا كانت النتائج؟ ‏

الفلسطينيون لم يحصدوا إلا الخيبة من «عملية السلام» والمزيد من الاستيطان والاذلال وعمليات القتل والتدمير والتشريد وقضم الحقوق وكان العدوان الارهابي على غزة أبرز تلك الممارسات العنصرية. ‏

وفي لبنان لا تزال مزارع شبعا وتلال كفر شوبا محتلتين ولا تزال السيادة اللبنانية تتعرض لاختراقات الطائرات الاسرائيلية والتحرشات العدوانية في قرى الجنوب رغم مضي أكثر من ثلاث سنوات على عدوان تموز. ‏

ولا يزال الجولان السوري محتلاً ولا يزال الهروب الاسرائيلي من استحقاق السلام مستمراً وكان آخر هذا الهروب تدمير إسرائيل مباحثات السلام غير المباشرة عبر الوسيط التركي، ولا يزال الشريك الاسرائيلي في عملية السلام غائباً، ولا يزال يلقى الدعم الأميركي نفسه الذي يدفعه للعصيان والاستهتار بالقانون وبأبسط حقوق الانسان. ‏

وبعد كل ذلك يريدون اقناعنا بغيريتهم على قضايا المنطقة، ويريدون أن نصدّق زعمهم الحرص على القانون وعلى قرارات الأمم المتحدة التي غطاها الغبار في أدراج المنظمة الدولية ومرشحة للنسيان أو كوثائق تاريخية في أحسن الأحوال. ‏

هذا غيض من فيض الحقائق المرة التي لا تزال منطقتنا تعيشها.. ويبقى السؤال الأهم ماذا نفعل نحن العرب؟.. ولماذا صار موقفنا هزيلاً إلى هذا الحد الذي يستخف به الآخرون؟. ‏