يجيء إعلان الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن رغبته في عدم ترشيح نفسه للانتخابات الرئاسية القادمة ، ليسهم في ارباك المنطقة ، واحاطة عملية السلام بغموض شديد.
إن خطوة الرئيس عباس هذه ، وأن كانت متوقعة ، الا انها ايضا تشكل ادانة صارخة للانحياز الاميركي لاسرائيل في عقب تصريحات وزيرة الخارجية الاميركية ، هيلاري كلينتون ، حيث دعت إلى بدء المفاوضات دون الاشتراط بوقف الاستيطان ، وهذا في حد ذاته يشكل تبنيا لمواقف اسرائيل ، ورئيس وزرائها نتنياهو ، وتراجعاً دراماتيكياً مفاجئاً ، لموقف الادارة الاميركية ، حيث اعلنت اكثر من مرة وعلى لسان كبار مسؤوليها ، عن ضرورة وقف الاستيطان ، وكرر ذلك الرئيس «اوباما» في خطابيه الشهيرين في الامم المتحدة ، والقاهرة ، معتبرا الاستيطان غير شرعي ، وأن الحل يجب أن يستند على حل الدولتين.
وفي هذا السياق ، فإن هذه الخطوة ايضاً ، تكشف للعالم كله بأن اسرائيل ليست معنية بالسلام ، فرغم مرور «16» عاماً على اوسلو ، واكثر من خمسة اعوام على مفاوضات عباس مع الحكومات الاسرائيلية ، الا ان هذه الحكومات رفضت الامتثال لقرارات الشرعية الدولية ، واستغلت هذه المفاوضات لفرض سياسة الامر الواقع ، حيث تضاعف الاستيطان بشهادة «حركة السلام الآن» الاسرائيلية ، في عهد حكومة اولمرت.
وجاءت حكومة اليمين المتطرف برئاسة نتنياهو لتعلن وبكل وقاحة عن الاستمرار في الاستيطان ، ورفع وتيرة اجراءات التطهير العرقي ، والاعتداءات على المسجد الاقصى المبارك ، والتي بلغت ذروتها خلال الأسابيع الاخيرة ، وذلك ضمن نهج صهيوني خبيث قائم على تهويد القدس ، وتهجير سكانها العرب.
ومن ناحية اخرى ، فلا بد من التأكيد على أن اعلان عباس هذا علاوة على انه يفتح الباب على احتمالات كثيرة في حال الاصرار على موقفه ، فانه يستدعي ايضاً من كافة الاطراف الفلسطينية ، وبالذات حماس وفتح ، العمل على تحقيق المصالحة الفلسطينية ، بعد أن ثبت ان تردي الحالة الفلسطينية ، يسهم وبشكل كبير في دفع عصابات الاحتلال إلى الاستمرار في العدوان ، ورفض الامتثال للرؤية الدولية.
لقد دعا جلالة الملك عبدالله الثاني واكثر من مرة إلى ضرورة وقف الاستيطان ، ودعم السلطة الفلسطينية ، محذراً من ان استمرار اسرائيل ، في انتهاكات قرارات الشرعية الدولية ، واعمال التطهير العرقي ، وخاصة في القدس المحتلة ، من شأنه ان ينسف عملية السلام من أساسها ، مهيباً بالمجتمع الدولي ضرورة التحرك السريع لوضع حد للعدوان الاسرائيلي الذي يدفع بالمنطقة إلى حافة الانفجار.
مجمل القول: يشكل اعلان الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن عدم ترشيح نفسه للانتخابات الرئاسية القادمة ، دعوة للادارة الاميركية ، بالتخلي عن الانحياز لاسرائيل ، والانتصار لمبادىء العدالة والمساواة التي اعلنها اوباما.. حفاظا على مصداقيتها ، والضغط على اسرائيل لوقف الاستيطان والامتثال لقرارات الشرعية الدولية ، لانقاذ العملية السلمية من الغرق في مستنقع الارهاب والتطرف الاسرائيلي.
