حال الفوز الكاسح الذي حققه الرئيس الأميركي باراك أوباما في انتخابات الرئاسة الأميركية دون المزيد من التردي المالي العالمي، فلو أن السناتور الجمهوري جون ماكين كان قد فاز في تلك الانتخابات، لكان الناتج الإجمالي المحلي الأميركي الحالي أكثر انخفاضا مما هو عليه بأكثر من 15%، ولحدثت خسائر مماثلة في الناتج العالمي أيضا.

وتستحق الإشادة تلك المرونة التي تمتع بها بن برنانكي رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي وكذلك المصرف المركزي الأوروبي، والتي أدت إلى تبني سياسة مالية نشطة للمرة الأولى منذ النهج الجديد الذي جاء به فرانكلين روزفلت.

وقد تجنب الرئيس السابق للاحتياطي الأميركي ألان جرينسبان ومحافظو المصارف المركزية الأوروبية، السياسات الوقائية التي كان من شأنها أن تحول دون الجانب الأعظم من التداعي الحالي. وكانوا قد اعتقدوا عن خطأ أن الرأسمالية غير المقيدة، يمكن أن تتجنب رصاصة الكساد. وقد برهن هذا على أنه اعتقاد خاطئ في كل مكان.

ووضعت الانتخابات الرئاسية عام 2008 نهاية لتخبطات إدارة بوش، ولغيرها من تطبيقات سياسة «دع الفقراء وأبناء الطبقة الوسطى يدعمون ذوي الثراء الطائل». وقد كانت هذه السياسات انعكاسا لأخلاق متدنية، ولم تبررها الكفاءة الأعلى في تحقيق النمو.

ونحن نبدأ الآن مرحلة جديدة، ستحيل فيها الصين القيادة الأميركية للعالم التي استمرت من 1950 إلى 2009، إلى ذمة التاريخ، وسيحيى أبناؤك وأحفادي في هذه المرحلة الجديدة الحافلة بالتحيات، وسوف نرى الصين وهي تلحق باليابان وتتجاوزها، بحسبانها الاقتصاد الثاني في إجمالي الناتج المحلي بعد الولايات المتحدة.

وما لم تنفجر القيادة الصينية القائمة على الحزب الواحد، فسوف يحل يقينا اليوم الذي يتجاوز فيه إجمالي الناتج المحلي الصيني نظيره الأميركي. وعلى الرغم من أن البعض يستبعد ذلك، إلا أنه احتمال واقعي.

غير أنه لا ينبغي توقع انتقال سهل وهادئ لمن يحددون إيقاع مسيرة العالم، فالأمر الأكثر احتمالا أنه في غضون العقد المقبل سيتعرض الدولار لضغط هائل.

لماذا؟ لأنه منذ عام 1000 كان النمو الذي يقوده التصدير هو القاعدة، عندما يبدأ شعب قابل للتعليم ومنخفض الأجور في تقليد تقنية أمة أكثر تقدما، وبالتالي يتجاوز في المنافسة المناطق الأكثر غنى.

وفي أميركا حازت أتلانتا على جانب كبير من إنتاج ديترويت من السيارات. هكذا كان الأمر وهكذا سيكون دائما، وعندما يستطيع شعب قابل للتعليم ومنخفض الأجور أن يقلد تقنية أمة أكثر تقدما، فإن هذه الظاهرة ستفرض نفسها، وذلك هو السبب في أن نزعة الحماية تشبه فيروس الهربس، وينبغي التزام الحذر حيالها.

ومؤخرا ساورني الخوف من أن الانطلاق الفوضوي ضد الدولار، يطل في وقت أكثر تبكيرا مما اعتدت تصوره. وأتمنى لو كنت مخطئا، وقد جانبني الصواب مرات عديدة خلال العقود السبعة التي أمضيتها في تدريس علم الاقتصاد وتأليف مراجعه. ومع ذلك فإنني أتذكر أين قرأت هذا كله لأول مرة، وكما قال الإغريق الكلاسيكيون: لا تقتل الرسول الذي حمل إليك الأخبار السيئة.

لدي توصية إيجابية قد تقلل المخاطر الموضحة أعلاه، بل وقد تبددها إلى أفق مستقبلي أبعد.

إنني أنصح الكثيرين الذين يستثمرون في أصول دولارية ذات عائد يقترب من الصفر، بأن يبادروا سريعا إلى الانتقال إلى المحافظ المتنوعة التي تكسب أعلى العائدات على مستوى العالم، فذلك سيساعد في تحقيق استقرار تلك الحيازات الأجنبية المضطربة من السندات منخفضة العائد.

وفي مقال يشار إليه كثيرا نشرته في «نيوزويك» قبل سنوات، طرحت هذا الاقتراح نفسه، كما مضيت إلى النرويج مع الراحل البروفيسور وارين لو، لطرح الأمر نفسه.

وبفضل تقدم العلم والهندسة، فإن الاقتصادات المركزية المختلطة اليوم، يمكنها جميعها التطلع إلى عمر أطول يقضيه الفرد مستمتعا بمستوى معيشة جيد. وقبل عام 1700 لم يكن الأمر كذلك على الإطلاق. والواقع الجديد هو أن القوقازيين البيض يشكلون أقلية في سكان العالم، أما الملونون فهم الأغلبية، وسوف يسيطرون بصورة أكبر.

دعنا نتأقلم مع هذه الحقائق الجديدة الدائمة، وعلينا ألا نتوقع انقلاب التيارات الرئيسية رأسا على عقب، ولنتأقلم مع الواقع بسرعة وليس ببطء، والمرء يأمل في أن تكون قد مضت إلى الأبد حماقات فريمان ـ هايك.

عندما كنت في السادسة عشرة من العمر، بدأت دراساتي الاقتصادية، وكان كارلايل محقا في وصف الاقتصاد بأنه علم مقيت. وبفضل العلم الحديث والمعرفة الاقتصادية الأفضل، فإن هذه اللعنة قد اختفت، والممارسات الاقتصادية الجيدة تجعل من الاقتصاد علم الأمل.

أستاذ في معهد ماساشوستس للتكنولوجيا

opinion@albayan.ae