كأستاذ للتاريخ الحديث والمعاصر، كان ولا يزال اهتمامي بوثائق الأحداث مصدراً لتعاملي مع أحداث الماضي، وعلى الرغم من اعتقادنا بأن هناك شكاً في بناء الوثيقة نفسها، لأن معظمها كتبتها السلطات والقوى المتنفذة ودخل العامل الذاتي على الموضوعي فيها، إلا أنها تبقى أحد مصادرنا الأساسية في كتابة التاريخ.
وضمن هذه الوثائق التي نحتفظ بها خطة إسرائيلية نشرتها صحيفة معاريف الإسرائيلية، ونقلتها إلى العربية جريدة «القبس» الكويتية قبل فترة، بشأن الاستراتيجية الإسرائيلية في المستقبل، وسبقتها خطتان إحداهما أمريكية في التسعينات، والأخرى إسرائيلية في الثمانينات من القرن العشرين.
ولم يهتم العرب كعادتهم كثيراً بهذه الخطط والاستراتيجيات، لأنهم مشغولون بالصراع على السلطة والحروب الأهلية، مع استشراء الفساد الإداري والمالي في معظم دولهم، أكثر من الاهتمام بالقضايا الاستراتيجية المتعلقة بهم أو بعدوهم.
وتهمنا هنا استراتيجية وخطط إسرائيل الأخيرة التي أشرنا إليها، وهي على شكل تقرير يدعو فيه عدد من الحاخامات والباحثين الصهاينة، إلى تحقيق حلم «إسرائيل من النيل إلى الفرات» فعلياً، بعد مرور ستبن سنة على قيام دولة إسرائيل، عبر سلسلة من الحروب والمؤامرات المتتالية مع العرب، وتهجيرهم من فلسطين إلى دول عربية محيطة بها، مثل الأردن وسوريا وسيناء والعراق غرب نهر الفرات ولبنان، لتحقيق الحلم الصهيوني بإقامة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات. وقد يرى بعضنا أن لا جديد في ذلك، ولكن ندعوهم لقراءة هذا المقال إلى نهايته والتفكير الجدي في الموضوع، لأن القضية قضية وجود العرب في هذه البقعة من العالم.
وتتخلص هذه الاستراتيجية للمرحلة القادمة، في العناصر التالية:
1 ـ إشعال حروب بين الفترة والأخرى مع العرب، خاصة في وقت ضعفهم وصراعاتهم الداخلية، لسيطرة إسرائيل على مزيد من الأرض العربية بين النيل والفرات.
2 ـ التركيز على إضعاف الدول العربية، وتأجيج الصراعات الداخلية، واستغلالها بشكل مبرمج لصالح الأهداف الصهيونية.
3 ـ التركيز على العامل الديني اليهودي، حيث تقضي بعض مفاهيمه بأن الوعي العقائدي يتناول حدود أرض إسرائيل، كحدود الوعد بإقامة دولة يهودية في كل الأرض الممتدة من نهر النيل إلى نهر الفرات، وتحقيق هذا الحلم بالحرب، وقتل وتشريد العرب إلى ما وراء هذه المنطقة.
4 ـ ترحيل الفلسطينيين أولاً إلى خارج فلسطين، سواء عرب 48 أو الفلسطينيون في الضفة الغربية وغزة، إلى الأردن والدول العربية الأخرى، سواء بالطرد أو بوسائل أخرى. ويقول بعض الحاخامات إن اليهودي لا يكون يهودياً إلا عندما يتمكن من ذبح عدوه! وبعدها مرحلة أخرى هي طردهم من الضفة الشرقية لنهر الأردن، إلى منطقة بعيدة عن حدود إسرائيل، مثل السعودية والكويت واليمن والعراق.
5 ـ أن حجم سكان إسرائيل بعد توسعها بين نهري النيل والفرات، سيكون حوالي 30 مليون نسمة، بالتركيز عندها على هجرة اليهود من مختلف دول العالم واستيطانهم في هذه المنطقة التي هي «إسرائيل الكبرى». أما في الجانب الغربي فالتركيز الصهيوني في نظرية التوسع وتحقيق حلم اليهود على سيناء في مصر وضمها إلى إسرائيل، ليكون نهر النيل هو الحدود الغربية حسب التفسير الأيديولوجي الديني اليهودي، وليس غريباً ما تقوله الحكومة الإسرائيلية اليوم، من أن اعتراف العرب ب«يهودية إسرائيل» أحد شروط التفاوض لتحقيق «السلام»!
إن في هذه الرؤية الإسرائيلية، وفي غيرها من الاستراتيجيات السابقة، تركيزا على الحرب وإضعاف العرب، وربما هذا ليس بالشيء الجديد، ولكن يبقى السؤال لماذا العرب ضعفاء وإلى متى؟ تمكن الإجابة عن الشق الأول من السؤال، بأن إضعاف العرب من ضمن أهداف إسرائيل لتحقيق حلمها، أما إلى متى فهذا يحتاج إلى مناقشة أوسع وأعمق.
عندما قال بن غوريون أول رئيس وزراء إسرائيلي بعد قيام دولة إسرائيل عام 1948م إن «إسرائيل كالحجر الذي يلقى في الماء وتتكون حوله الدوائر»، كان يختصر نظرية الاحتلال للأراضي العربية واستيطان اليهود فيها.
ولم يدرك العرب، أو أدركوا ولم يفعلوا أي شيء، أن ما كانت ولا تزال تقوله إسرائيل لا يقع ضمن الأحلام فحسب، بل تقوم بتحويل الأقوال والأهداف إلى وقائع على الأرض. فهم يطالبون بالحد الأقصى لأهدافهم وأحلامهم، ليغرسوا ثقافة صهيونية تقود إلى تحقيق دولة إسرائيلية كبرى في الشرق الأوسط، على حساب العرب بعد طردهم أو إبادتهم.
ويبدو من قراءة أدبيات الخطط والاستراتيجيات الصهيونية أنه ليس من ضمنها شيء اسمه السلام مع العرب، فلعبة السلام هي قضية سياسية يفرضها الأمر الواقع، وهي زئبقية متحركة تستغلها إسرائيل تكتيكياً، ولكنها ليست من الأهداف الاستراتيجية أو النهائية للصهيونية.
ومن الخطط الاستراتيجية الإسرائيلية تأجيج الصراع الإثني العرقي والطائفي في الدول العربية الرئيسية، لتقسيمها إلى دول صغيرة تتصارع علي الحدود والموارد إلى مالا نهاية، لتكون ضعيفة وتكون إسرائيل هي الأكبر والأقوى.
وضمن الحديث عن التخبط والضعف العربي، كانت إسرائيل تنظر إلى الاحتلال العراقي للكويت عام 1990م، على أساس أن العراق دولة رئيسية ومهمة في الشرق الأوسط، وأن إضعافه وتدميره يخدم الاستراتيجية الإسرائيلية، وأن احتلاله للكويت سيؤدي إلى ذلك، هذا أولاً.
ولكن ما كان يقلق إسرائيل هو أن جالية فلسطينية كبيرة كانت تقيم وتعمل في الكويت، وسيؤدي احتلال العراق للكويت إلى هجرة معظمها إلى الأردن القريبة من إسرائيل، وهذا يقلقها ولكنه أيضا يعزز الوطن البديل للفلسطينيين الذي تطرحه إسرائيل وغيرها بين الحين والآخر.
نحن لا نريد أن نقرأ استراتيجيات العدو الإسرائيلي فحسب، وإن كان ذلك مهماً، لكن ماذا عن استراتيجية العرب تجاه القضية الفلسطينية بعد أن تبين أن الأهداف الصهيونية لا تقف عند حدود فلسطين، بل تستهدف العرب في وجودهم ومواردهم في كل أقطارهم؟ فمتى تقوم صحوة العرب الحقيقية وكيف؟ سؤال للمثقفين والمفكرين العرب قبل غيرهم.
كاتب كويتي
