تعددت المؤشرات مؤخرا على ردود الفعل السلبية حيال خطوات عدة بادر إليها الرئيس الأميركي باراك أوباما، على امتداد العالم، وكانت بمثابة عناصر دالة على مشكلات أوسع نطاقا في سياسة أميركا الخارجية، التي استهدفت علاج معضلات طال أمدها.
وفي الشهور التسعة الأخيرة استخدم الرئيس الأميركي الكاريزما التي يتمتع بها وخلفيته غير التقليدية، لاستقطاب الأمم خارج أميركا، برسالته التي تفيد أن البيت الأبيض يمكن أن يصدر علامته الدالة وهي «الأمل والتغيير».
وأرسل أوباما مبعوثين خاصين إلى العديد من الدول، ومنها كوبا وسوريا. غير أن كوبا لم تبد استجابة تذكر لرسالة أوباما، واكتفت سوريا بترحيب دبلوماسي بطروحاته.
وفي فنزويلا يبدو أنه كلما أشاد هوجو شافيز بأوباما، كلما أوغل في التباهي بخططه للحصول على الصواريخ وتطوير برنامج نووي.
وقبل شهور بعث أوباما أيضا بغصن الزيتون إلى إيران. وفي معرض رد الفعل، واصل الإيرانيون بناء وحدة نووية جديدة سرا. وتقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية الآن بأن إيران لديها الخبرة الضرورية لصنع قنبلة نووية.
وسعت أميركا أخيرا لإبرام صفقة ضمنية مع روسيا فلاديمير بوتين، حيث سنوقف خطط الدفاع الصاروخي في أوروبا الشرقية القريبة، التي لا تزال روسيا تعتقد أنها مجال نفوذها، ومن ثم فإن بوتين سيضغط على إيران للتخلي عن برنامجها النووي. وقد أحب بوتين، بالطبع، الجانب المتعلق بالدفاع الصاروخي من الصفقة، ولكنه لم يفعل شيئا للضغط على إيران. وفي غمار ذلك فإن الدول الديمقراطية والمعرضة للخطر في أوروبا الشرقية، قد تعلمت ألا تعتد على الولايات المتحدة.
ويمكن تفصيل القول في كل هذه الأمثلة الحديثة، ولكن فلنكتف بالقول إن الأعداء الحاليين والسابقين، يحصلون على قدر من اهتمام البيت الأبيض يفوق ما يحصل عليه الأصدقاء.
ويقوم مفهوم «إعادة ضبط الزر» الذي تحدث عنه أوباما طويلا في التعامل مع الخصوم، فيما يبدو، على ثلاثة افتراضات: أن أمما أكثر مما ينبغي في الخارج لم تحبنا بسبب جورج بوش، وأنه بوجود أوباما في البيت الأبيض فإنها ستعود مجددا للولع بأميركا، بسبب الكاريزما التي يتمتع بها أوباما وتراثه الفريد وأسلوبه الودي. وكنتيجة لذلك، فإن العالم في مجمله سيصبح أكثر هدوءا وأمنا تحت إرشادنا.
ولكن الافتراضين الأخيرين يجافيهما الصواب بصورة فظيعة، فقد كان العديد من القادة الدكتاتوريين يكرهون الولايات المتحدة، ليس بسبب منهاج بوش الصارم فحسب، وإنما المشكلة تكمن في أن أجنداتهم لا تتفق مع رؤية الولايات المتحدة التقليدية لعالم ديمقراطي ذي أسواق حرة.
إن ما يبقي متحضرا مما يسمى العالم المتحضر، هو إلى حد كبير استعداد الولايات المتحدة لاستثمار موارد كبيرة لحماية أمم أضعف ولكنها جديرة بالإعجاب، حيث تبقي أميركا كلا من أوروبا، اليابان، كوريا الجنوبية، تايوان والأنظمة الديمقراطية في آسيا وأميركا اللاتينية، آمنة من القوى الإقليمية التي تتربص بها. وبهذه الطريقة، فإن هذه البلاد يمكنها أن تساعد في نشر الأفكار المشتركة عن الحرية والتقدم، إلى الدول الأقل حظا.
والمهمة التي تقوم بها الولايات المتحدة هي مهمة باهظة الكلفة وخطيرة ولا تحظى بالشعبية، ولكن دورنا يفسر إلى حد كبير نصف قرن لم يسبق له مثيل من الازدهار العلمي، وعدم نشوب حرب عالمية ثالثة حتى الآن.
وفي المقابل، فإنه كلما أوغل أوباما في إضفاء الضبابية على الفارق بين الحلفاء والأعداء، كلما أثار مشاعر الكآبة في صفوف الفريق الأول وشجع الفريق الثاني.
وبالمعدل الراهن، فإن أميركا ستصبح محبوبة بشكل أكبر وتحظى باحترام أقل، ولقد رأينا القليل من هذا في كوبنهاغن.
أستاذ الدراسات الكلاسيكية والتاريخية في جامعة ستانفورد