قال الجنرال شارل ديغول في جملة له: «سوف تعتمد أوروبا الموحّدة على تفاهم يقوم بين فرنسا وألمانيا، أو أنها لن تقوم أبدا».

جملة الجنرال وجدت صداها في استطلاع حديث للرأي أجرته صحيفة «الفيغارو» وقناة «ار. تي» التلفزيونية، حيث أكّد أغلبية الفرنسيين والألمان أن كل شعب يرى في الشعب الآخر شريكه الأساسي داخل الاتحاد الأوروبي، وبالتالي ينبغي توطيد العلاقات معه في المرحلة القادمة. بريطانيا أتت بعيدة في أولويات الفرنسيين والألمان.

فرنسا وألمانيا لهما، معا، موقع متميّز في أوروبا. إنهما تتمتعان باستمرارية جغرافية وبعدد سكان يزيد عن 160 مليون نسمة، أي حوالي 30 في المئة من مجموع سكان الاتحاد الأوروبي. وهما الأقوى اقتصاديا، إذ تمثلان 55% من إجمالي الإنتاج الداخلي في منطقة اليورو. إنهما باختصار المحرّك «الموضوعي» في مسيرة التوحيد الأوروبي، ومركز الثقل الأوروبي الرئيسي على المسرح الدولي.

وقد بدا ذلك واضحا أثناء الموقف المشترك الذي اتخذه البلدان، ودعمته بلجيكا، في مجلس الأمن الدولي ضد الحرب الأميركية في العراق. بريطانيا تبدو من جهتها أكثر قربا من الشريك الأطلسي على الضفّة الأخرى من المحيط الفاصل بين القارتين.

الإدراك العميق لأهمية العلاقة بين ألمانيا وفرنسا، لم يمنع واقع أن التفاهم لم يكن سهلا باستمرار بينهما. وقد أثارت عملية إعادة توحيد الأمّة الألمانية بعد انهيار جدار برلين، قدرا من «الحذر» لدى الفرنسيين. المؤشرات كثيرة على ذلك.

وهذا ما حاول أن «يغمز» إليه الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش «الأب» قبل أيام في برلين، حيث يتواجد إلى جانب المستشار الألماني الأسبق هلموت كول وآخر رئيس سوفييتي ميخائيل غورباتشوف، للمشاركة في الاحتفال بالذكرى العشرين لسقوط الجدار.

لقد قال بوش في حفلة العشاء التي أعقبت أحد الاحتفالات العامّة، إنه ينبغي عدم نسيان دور الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران «الصديق الكبير» لهلموت كول، والذي كان يردد: «لست موافقا على إعادة التوحيد. فألمانيا أحبها إلى درجة أنه ينبغي أن يكون هناك ألمانيتان باستمرار». وأردف بوش: «لم أفهم أبدا إذا كان يقول ذلك على محمل الجد أم لا».

ميخائيل غورباتشوف أكّد جديّة ذلك القول عندما أضاف قوله: «كنّا، السيدة تاتشر وميتران وأنا، ندافع عن الموقف الذي يقول بالإبقاء على وجود ألمانيتين، غربية وشرقية». في كل الأحوال، ليست قليلة هي الأصوات الفرنسية التي تبدي الخشية من استيقاظ «شياطين» النزعة القومية الألمانية.

وفي السياق الحالي، منذ انتخاب نيكولا ساركوزي رئيسا لفرنسا، يبرز بين الحين والآخر خلاف هنا وتباين في المواقف هناك، حول قضايا ثنائية أو أوروبية أو ذات علاقة بمسائل دولية. هكذا ظهر خلاف كبير بين المستشارة ميركل والرئيس ساركوزي حول الإجراءات المطلوب اتخاذها لمواجهة الأزمة المالية العالمية الراهنة، وحول تبنّي خطة مشتركة لإنقاذ البنوك، وحول استقلالية البنك المركزي الأوروبي.

وخلاف في مجال التصنيع النووي المدني، حيث انسحبت منذ فترة قريبة شركة سيمنس الألمانية من مجموعة «أريفا» الفرنسية المعروفة في هذا المجال، للتقارب مع المجموعة الروسية «روسياتوم».

وثارت زوبعة صغيرة عندما اعتبر الرئيس الفرنسي نفسه وراء إطلاق سراح الممرضات البلغاريات اللواتي كنّ محتجزات في ليبيا، بينما تؤكّد الحكومة الألمانية أنه كان لها دور هام في الوصول إلى حل.

وكانت إحدى المسائل الخلافية الكبرى، تلك التي أثارها إعلان الرئيس ساركوزي عشيّة يوم انتخابه رئيسا عن مشروع «الاتحاد المتوسطي»، الذي جرى تعميده فيما بعد بتسمية «الاتحاد من أجل المتوسط» بحيث تصبح أوروبا معنيّة كلّها به. لقد هددت المستشارة ميركل آنذاك بتأسيس اتحاد ألمانيا وأوروبا الوسطى، إذا أصرّ ساركوزي على مشروعه بصيغته الأولى.

أمام هذه المسار المتعرّج في العلاقات الفرنسية ـ الألمانية، بل ومن خلاله، وخاصّة بعد نهاية الرئاسة الفرنسية للاتحاد الأوروبي التي بدا أن ساركوزي قد أراد أن يقدّم نفسه أثناءها كرئيس لأوروبا عمليا، اتجهت العلاقات بين البلدين نحو أن تكون طبيعية من جديد اعتبارا من بداية عام 2009، على قاعدة التكافؤ وبحيث أن كلا منهما يعتمد على الآخر لتعزيز وجهة نظره في أوروبا.

لقد برزت خطوات التقارب مطلبا ضروريا للمصلحة المشتركة، وفتح نجاح ميركل في الاحتفاظ بالسلطة عقب الانتخابات التشريعية الأخيرة، الآفاق أمام فترة ثلاث سنوات قادمة على الأقل ليست فيها أية انتخابات تهدد بتغيير القيادة السياسية في البلدين، ومن الواضح أن هناك توجّها متجددا لتعميق العلاقات بينهما.

هذا ما أرادت أن تؤكّد عليه المستشارة ميركل، عندما خصّت باريس بأوّل زيارة لها بعد إعادة انتخابها لفترة حكم جديدة، وهذا ما يشير إليه جدول اللقاءات القريبة في برلين وباريس.

كل ذلك يترجم في العمق رغبة الخروج لدى الطرفين من منطق المنافسة الصرفة، والقبول بالتخلّي عن أي تطلّع ل«الزعامة»، وأنهما محكومان بمنطق التقارب.. وهكذا «تأمر» المصلحة المشتركة بعيدا عن العواطف.

كاتب سوري ـ باريس

mohaklouf@yahoo.fr