كانت الطائرة تسير بشكل منخفض استعدادا للهبوط في مطار دبي، والناس في حالة حراك حثيث تهيؤا للنزول، والليل يرخي لثامه، بينما تبدو دبي كوميض نور خافت وبعيد يتوارى خلف الظلام..

هكذا بدت لي دبي عبر نافذة الطائرة، وفيما الطائرة تقترب شيئا فشيئا من المدرج تذكرت أرشيف زياراتي للمدن العربية، وكيف أنني تسكعت في شوارعها ووقفت على أرصفتها أردد مع أطفالها «أنا يا أخي العربي» للموسيقار عبد الوهاب، وأطرق أبوابها الموصدة أنشدها عن حلم سحيق، حلم تغنينا به طويلا وراهنّا عليه طويلا حتى تحطمت أحلامنا على أشلائه ونهاياته البائسة.. حلم التنمية العربية الشاملة، هذا الحلم الذي انتهى إلى طوابير الخبز العارمة، وأشلاء الجموع المهاجرة والمنتشرة على شواطئ المدن الغربية وسواحلها المنسية.

لم أصح من هذا الحلم المر إلا على اهتزاز الطائرة اهتزازا عنيفا، وهي تلامس عجلاتها أرض المطار بما يشبه الارتطام، فاندفعت بسرعة هائلة ثم هدأت وتوقفت تماما معلنة وصولنا إلى مطار دبي.

ترجلنا من الطائرة عبر انسياب غاية في الجمال والروعة، بهرني مطار دبي بفضاءاته الرحبة وألوانه الزاهية، والذي بهرني أكثر هو سرعة الإجراءات، فلم تستغرق الإجراءات الرسمية سوى لحظات، وهي تتفوق على أي وقت آخر في المطارات العربية الأخرى.

بعد ذلك ركبت سيارة أجره يقودها هندي متحفز لم تمسخ آدميته وإنسانيته، بدليل الحيوية التي يتمتع بها. اندفعنا داخل مدينة دبي، يحفنا من اليمين واليسار العديد من المباني الشاهقة والأشجار اليانعة والأضواء الخافتة والنوافذ الناعسة في ليل دبي المفتوح.. وظلت هذه المشاهد تتدفق أمام ناظري إلى أن وصلت إلى مركز المدينة.

وفي طريقي من المطار إلى وسط دبي لاحظت آثار الأزمة الاقتصادية التي ضربت المنطقة العربية برمتها، ولأن دبي في مقدمة الاقتصاد العربي فلا بد أن يكون عليها الوزر الأعظم من وطيس المعركة، فقد وقفت دبي بمفردها في وجه الأزمة حتى امتصت الضربات الأولى لتعيد نفسها وتستجمع قواها من جديد، وهذا يقرأه المسافر من خلال الزخم العمراني الواضح للعيان.

فحركة مترو الأنفاق وازدحام الأسواق التجارية بالمستثمرين والمتسوقين واكتظاظ الفنادق بالمصطافين وازدحام الأماكن العامة بالمتنزهين، يعطي انطباعا واحدا، وهو أن دبي تعافت تماما وتجاوزت أزمتها، وهي الآن تبدأ الخطوة الأولى للانفكاك كليا من أخطبوط الأزمة الاقتصادية التي لا يزال بعض الاقتصاديات العربية يئن تحت وطأتها.

في اليوم الثاني من زيارتي تجولت داخل مركز المدينة، لكنني لم ألحظ أي مظهر من مظاهر الأمن، فيبدو أنها هي الأخرى صفة من صفات فلسفة السياحة في دبي. فدبي تخضع لكنترول أمني صارم لكنه مستتر، الغرض من عدم ظهوره هو بث الطمأنينة والاستقرار للمواطنين والمقيمين والمصطافين على حد سواء. أما الإنسان في دبي فهو قلب الاستثمار الحقيقي، وربما نجحت دبي عندما وضعت استثمار الإنسان في سلم اهتماماتها.

في دبي أول ما يلفت نظر الزائر هو البرج الشاهق الذي يعتبر مفخرة دبي، وما أن شاهدته حتى تذكرت صديقي وصديق الجميع الفريق ضاحي خلفان، عندما قال لي في يوم ما إنه كلما شاهد برج دبي تذكر أشرعة المراكب وهي تمخر عباب البحر. فالإنسان الإماراتي لم يغيره الزمن ولم تسلبه الحضارة كل أشيائه، فهو بسيط جدا وودود جدا وغامض جدا، يكره البهرجة ويحب الخير للجميع، بدليل أنه مؤتلف مع جميع الجنسيات الوافدة.

يحترم الإنسان بعيدا عن كل الاعتبارات والتصنيفات الأخرى، وتلك صفة إنسانية وحضارية تعتبر من أهم أسس خلق المجتمع المدني، وربما هذا لم يأت بالصدفة، بل عبر دراسات استراتيجية علمية معمقة.. دبي الآن تتجاوز الأزمة الاقتصادية.. دبي تنهض بثبات.. دبي تواصل المسير نحو أفق أرحب.. دبي تتقدم بعزيمة، لأنها موشومة على ساعد رجل أسطوري مفعم بالطموح.

إنني على يقين من أن دبي تحمل هذه المرة المفاجأة، مدعومة بإصرار رجل يعشق التحدي ويكره التردد.. إنه سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم.

كاتب وباحث سعودي

alseaadi@hotmail.com