انعقد الأسبوع الماضي المؤتمر السنوي الأول لمنظمة «جي ستريت»(J Street) وسط حملة شرسة شنتها عليها قوى اليمين الأميركية والإسرائيلية.

وجي ستريت هي لوبي جديد مناصر لإسرائيل نشأ في واشنطن في إبريل 2008، ووصف نفسه منذ اليوم الأول بأنه «مناصر لإسرائيل ومناصر للسلام» معا، ويهدف لخلق بعض التوازن على الساحة الأميركية، التي نجحت منظمة إيباك في جرها على مدار العقود الثلاثة الأخيرة نحو اليمين.

و«إيباك» هو اختصار لاسم «لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية» المسجلة رسميا باعتبارها اللوبي المناصر لإسرائيل في واشنطن. وتعتبر إيباك من أقوى جماعات المصالح الأميركية على الإطلاق وأكثرها نفوذا، حتى أنها صارت نموذجا يحتذى من جانب جماعات اللوبي التي تسعى للدفاع عن مصالح دول أخرى، مثل اللوبي اليوناني والأرميني وغيرهما.

ولإيباك ميزانية ضخمة تصل إلى 70 مليون دولار سنويا، وشبكة علاقات وقدرات تعبوية وتنظيمية وتمويلية ضخمة، استطاعت من خلالها أن تؤثر بفاعلية على عملية صنع القرار، ليس فقط تجاه إسرائيل، وإنما تجاه قضايا المنطقة ككل. فهي كانت لسنوات العقل المدبر والمحرك الرئيسي وراء القانون الذي يفرض العقوبات على ليبيا وإيران، ثم قانون معاقبة سوريا، فضلا عن أنها كانت وراء سلسلة من القوانين التي استهدفت مصر والسعودية.

وإيباك في الواقع سيطرت عليها منذ السبعينات قيادات أقرب لمواقف الليكود الإسرائيلي منها لمواقف أغلبية اليهود الأميركيين، لكن لأنها ذات نفوذ قوي، فقد استطاعت جر الساحة السياسية الأميركية كلها نحو مواقف يمينية متطرفة لا يوافق عليها أغلبية اليهود الأميركيين، بدءا بالاستيطان ومرورا بالاستخدام المفرط للقوة، ووصولا للموقف السلبي من إقامة دولة فلسطينية.

وفي الواقع فإن نجاح إيباك في ذلك يعود إلى نفوذها، بقدر ما يعود لكونها ظلت على الساحة وحدها دون تحدٍّ أو منافسة، في ظل ضعف التنظيمات الممثلة للعرب والمسلمين، بل وصمت أغلبية اليهود الأميركيين الذين لا تمثلهم مواقف إيباك. ففي وضع كهذا كان من السهل على إيباك إسكات السياسيين الأميركيين الذين يجرؤون على انتقاد إسرائيل، عبر استهدافهم في حملات تشهير، وعبر تمويل منافسيهم في الانتخابات للقضاء على مستقبلهم السياسي.

ومن هنا تأتى أهمية ظهور جي ستريت في 2008. فالمنظمة مناصرة لإسرائيل، ولكنها نشأت في الأساس لتعبر بصوت عال عما كان يدور همسا في أوساط بعض اليهود الأميركيين من انتقادات للسياسة الإسرائيلية، الأمر الذي يمثل غطاء سياسيا بالغ الأهمية للسياسيين الذين يعارضون سياسات إسرائيل، ولكنهم يرضخون لإيباك خوفا على مستقبلهم السياسي.

وجي ستريت تعيد بذلك تعريف معنى مناصرة إسرائيل في أميركا، فهي تقول صراحة ان مناصرتها لا تعني التأييد الأعمى لكل ما يصدر عن حكومتها. والمنظمة تحدد أهدافها بوضوح، في إقامة دولة فلسطينية ووقف الاستيطان، فضلا عن أنها تدعم قيام أميركا بدور «محوري» في الدفع نحو تحقيق تلك الأهداف.

وينبغي أن يكون واضحا أن جي ستريت تتخذ تلك المواقف من واقع مناصرتها لإسرائيل، فهي تؤمن بأن السياسات الإسرائيلية الحالية تضر بأمن إسرائيل وتدفع بها نحو الخطر، خصوصا في ظل الفجوة الديمغرافية بين اليهود والعرب، الأمر الذي قد يعني نهاية إسرائيل على المدى الطويل. وهي ترى أيضا أن مواقف إيباك تعوق الولايات المتحدة عن اتخاذ مواقف تؤدي لإحلال السلام في المنطقة.

ومن هنا، جاء الاسم الذي اختارته جي ستريت لنفسها. فلما كان حرف الجي «ت» اللاتيني هو الحرف الوحيد الذي لا يوجد باسمه شارع في العاصمة واشنطن، بينما شارع «كي ث» هو الشارع الذي توجد فيه مقار أغلب جماعات اللوبي، فقد اختارت المنظمة الناشئة أن تطلق على نفسها اسم «شارع جي»، للدلالة على أنها المنظمة التي تفتقدها «خريطة واشنطن» السياسية!

وأهداف المنظمة هي المسؤولة عن الحملة الشرسة التي شنتها أبواق اليمين الأميركي والإسرائيلي معا على جي ستريت، منذ نشأتها وحتى انعقاد مؤتمرها السنوي منذ أيام.

فالسفير الإسرائيلي لدى واشنطن رفض دعوة المنظمة لحضور المؤتمر، وقال إن مواقف تتخذها جي ستريت «تضر بإسرائيل»، بينما شنت إيباك وأعوانها من المحافظين الجدد واليمين اليهودي، حملة شرسة على المنظمة اتهمتها بكل شيء، من معاداة إسرائيل حتى مناصرة حماس! وقامت حملة محمومة قادها المحافظون الجدد، للاتصال بأعضاء الكونجرس لإثنائهم عن المشاركة في المؤتمر.

ورغم أن حوالي 12 من أولئك الأعضاء استجابوا لحملة التشهير والتخويف، إلا أن المؤتمر انعقد بحضور 160 عضوا غيرهم كانوا كلهم تقريبا من الديمقراطيين، إلى جانب عدد من الأعضاء الجمهوريين السابقين. وبينما شنت إسرائيل الرسمية حملة شرسة على المنظمة، فقد احتضنتها إدارة أوباما، حتى أن كلمة الافتتاح في المؤتمر ألقاها مستشار أوباما للأمن القومي جيم جونز، الذي أكد بوضوح دعم الإدارة للمنظمة.

ورغم أن جي ستريت تظل منظمة صغيرة ناشئة لا يمكن مقارنتها من حيث التمويل والنفوذ بإيباك، وسوف تكشف الأيام عن مدى قدرتها على منافسة إيباك، إلا أن هناك عاملا مهما يفتح آفاق المستقبل أمام هذه المنظمة ومثيلاتها التي تتخذ مواقف وسطية. فهناك فجوة جيلية ملفتة داخل الجماعة اليهودية الأميركية، ترجح كفة جي ستريت.

فقد أثبتت استطلاعات الرأي أن شباب اليهود الأميركيين أكثر استقلالية في مواقفهم عن إسرائيل، وأقل ميلا لتأييدها تأييدا أعمى بدعوى أن انتقاد إسرائيل يعرض أمنها للخطر كما تروج إيباك.

معنى ذلك أن كفة القوى المناهضة لإيباك قد ترجح على المديين المتوسط والطويل، الأمر الذي يحتاج انتباها واستعدادا من جانب كل الأطراف العربية التي رسمت سياستها في واشنطن على أساس أن إيباك هي اللاعب الوحيد الذي يحسب حسابه.

كاتبة مصرية

manarmes@yahoo.com