عقدت في نهاية الأسبوع الماضي ضمن أنشطة الملتقى الاستراتيجي العربي التابع لمؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، ندوة علمية على هامش إطلاق التقرير العربي الأول لمجتمع المعرفة، تحت عنوان «تواصل معرفي منتج»، والذي يصدر بالتعاون بين المؤسسة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي للدول العربية.

وهو الإصدار الأول في سلسلة إصدارات ستعالج فيها القضايا المختلفة لحالة مجتمع المعرفة في المنطقة العربية، باعتبارها أداة رئيسية من أدوات التنمية والنهوض الإنساني.

ويقع التقرير في حوالي 282 صفحة تتضمن ستة فصول وملاحق، ناقش الفصل الأول الإطار المنهجي والمفاهيمي للدراسة، حيث يعرف المعرفة بأنها «مجمل المخزون المعرفي والثقافي بوصفه نظاما رئيسيا لمجمل النشاطات الإنسانية التنموية، الرامية لتوسيع خيارات وفرص تقدم الإنسان العربي وتحقيق حريته وعيشه الكريم»، وبذلك تصبح المعرفة، اكتسابا وإنتاجا وتوظيفا وتوطينا، أداة وغاية لكل المجتمع.

أما الفصل الثاني فقد تعرض لمناقشة البيئات الأساسية الثلاث: السياسية والاجتماعية والاقتصادية، المشكلة لحالة الأداء المعرفي في المنطقة العربية. وهي بيئات وقف المنتدى أمامها وقفة نقدية وتشريحية، ووجد في بعضها بيئات منتجة لقيم معادية للمعرفة أو معطلة لها، بل إنها قد ولدت اتجاهات معادية للإبداع على أساس أنه بدعة وخروج عن المألوف.

إلا أن البعض من الحضور وجد أنه رغم اشتراكنا، أي المنطقة العربية، مع مجتمعات أخرى في الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، إلا أن تلك المجتمعات استطاعت أن تحقق نهوضا اقتصاديا وتقدما تكنولوجيا.

ويؤتى هنا بأمثلة لدول من شرق وجنوب آسيا، وتحديدا تم الحديث عن تجربة الصين وماليزيا والهند، التي استطاعت أن تحقق تقدما اقتصاديا مهما، بفعل قدرتها أولا على استيراد المعرفة التكنولوجية وتوطينها، وثانيا بفعل قدرتها على إحداث نهوض باهر، جاء ثمرة لإنهاء حالة الصراع على السلطة عبر تقنينها وضبطها لحالة الدولة.

أما الفصل الثالث فقد ناقش حالة تكوين رأس المال المعرفي في المنطقة العربية، وهي رغم ارتفاع حجم الإنفاق عليها كأرقام مقارنة بالسنوات والعقود الماضية، إلا أنها تبقى تشهد نموا في جانبها الكمي دون تطور واضح وملحوظ في جانبها الكيفي.

بل إن التقرير يشير إلى أن 4 ,0% من الناتج المحلي العربي يذهب للبحث العلمي في المنطقة العربية، مع اختلافات بسيطة هنا أو هناك، في حين أنه يرتفع في حالة دول آسيوية إلى ما يفوق 4% من الناتج المحلي.

وهي حالة يعكسها، كما يشير لذلك الفصل الخامس، حالة البحث العلمي في الجامعات ومراكز البحوث العربية، مقارنة بالحالة الآسيوية، وليس بالحالة الأوربية والأمريكية.. فالعرب لا ينتجون بحثا ذا قيمة معرفية مضافة إلا في حالات ضيقة، وإنتاج بعضهم «العلمي» لا يعدو أن يكون حالة من حالات ما يسميه البعض «الفهلوة البحثية».

بل أن الكثير من الجامعات العربية تنفق الكثير على أنشطتها الاحتفالية والمهرجانية وتغطية تكاليف سفر أطقمها القيادية والإدارية، بينما تحجب الدعم المادي عن الأنشطة البحثية.

وهذا يفسر غياب كل الجامعات العربية عن أفضل 500 جامعة في العالم، في حين تتقدم فيها ثلاث من الجامعات الإسرائيلية. بل تغيب الجامعات الإقليمية والوطنية العربية عن أفضل 100 جامعة شرق أوسطية، في حين تتصدرها كل الجامعات الإسرائيلية الرئيسية، الأمر الذي لا يفسر فحسب غياب الإرادة السياسية الدافعة نحو تطوير التعليم، وإنما يفسر كذلك ضعف المدخلات البشرية والمعرفية لهذه المؤسسات.

أما الفصل الرابع فقد خصص لمناقشة الحالة التقانية في المنطقة العربية، وهي حالة يصفها التقرير بأنها ما زالت تمر «بالمرحلة الجنينية في تعاطيها مع الثقافات أو المساهمة في تطويرها».

كما يرى التقرير أن تجاوز هذه الحالة قد يتطلب الانفتاح على الجهات والبلدان الفاعلة، لتوطين وتطويع وإعادة إنتاج قسط مهم من المعارف التقنية.

ورغم تناول المنتدى للتجارب الصينية والماليزية والهندية، إلا أن تجارب أخرى كتجربتي الأرجنتين والبرازيل، وهما من التجارب المهمة في نقل وتوطين التكنولوجيا، لم تحتلا مكانا في دائرة النقاش. ويلحظ التقرير نموا مهما في استخدام الانترنت كوسيط من وسائط الاتصال ونقل المعرفة، إلا أن حجم هذا الاستخدام في المنطقة العربية ما زال دون المعدل العالمي.

وهو 21% من السكان، بل إن بعض دول المنطقة، كالسودان واليمن وربما موريتانيا، ما زال حجم الاستخدام فيها دون 4%، مقابل نمو واضح في استخدامه لمستوى قد يفوق 40% كما هو في حالة البحرين والكويت وقطر ودولة الإمارات العربية المتحدة.

ويختم التقرير معالجته بالقول إن «إقامة مجتمع المعرفة العربي ليس أمرا مستحيلا بل ممكن، وذلك من خلال توثيق العلاقة القائمة بين نقل وتطوير وإنتاج المعرفة من ناحية، وإنتاج السلع والخدمات والإنتاج الثقافي من ناحية أخرى».

كما يرى التقرير أن تحقيق ذلك لا يمكن أن يكون إلا من خلال تطوير واقع السياقات الاجتماعية والسياسية والثقافية، بإطلاق الحريات وإقامة دولة القانون، وتشجيع الإبداع والاحتفاء به ودعمه بكل الإمكانيات، وربطه بتطوير وسائل الإنتاج والمنتج. أما الآلية الثالثة فهي الاحتفاء باللغة العربية كناقل أساسي للمعرفة وتوطينها.

ويبقى ردم الفجوة المعرفية مطلبا سياسيا واجتماعيا، لا يمكن لهذه المنطقة أن تحقق انطلاقتها الحقيقية بدونه. وتلك حالة لم يدخلها الوطن العربي بعد، رغم محاولات جادة من بعض أطرافه هنا أو هناك.

كاتب بحريني

drbaqer@gmail.com