حققت المرأة الكويتية نصراً جديداً الأسبوع الماضي، بصدور حكم المحكمة الدستورية برفض دعوى بطلان عضوية الدكتورتين أسيل العوضي ورولا دشتي، كنائبتين منتخبتين لمجلس الأمة الكويتي، وتم إسدال الستار على قضية شغلت الرأي العام الكويتي منذ مدة، خاصة أنها تمثل شداً بين التيار المتنور في المجتمع الكويتي،.
وذاك المتشدد الذي يضع العراقيل تلو الأخرى في سبيل الانفتاح الاجتماعي، ومنها ممارسة المرأة لدورها في المجتمع في شتى مجالات الحياة، وعلى وجه الخصوص في العمل وفي المجال السياسي.
وخلفيات القضية تتمثل في أن النائب محمد هايف المطيري، الذي يمثل التيار السلفي المتشدد، والذي نجح في الانتخابات الماضية بفعل دخوله «انتخابات فرعية» لقبيلة المطران التي ينتمي إليها، تقدم هذا النائب بطعن في صحة انتخاب النائبتين، على اعتبار أنهما لم تراعيان ما جاء في قانون الانتخابات الذي «يشترط للمرأة في الترشيح والانتخاب، الالتزام بالقواعد والأحكام المعتمدة في الشريعة الإسلامية».
وقد سبق جلسة الحكم، وكمحاولة لزيادة الضغط، صدور فتوى من «إدارة الفتوى» في وزارة الأوقاف عن سؤال قدمه النائب نفسه، حول الحجاب وما إذا كان ارتداؤه واجباً على المرأة المسلمة؟
وقد أشارت فتوى الأوقاف إلى وجوب ارتداء المرأة المسلمة للحجاب، سواء للمشاركة في العملية السياسية أو في غيرها. وقد أثارت تلك الفتوى نقاشاً واسعاً في الصحافة الكويتية وعلى فضائياتها، فضلاً عن نقاش الدواوين، واعتبر النائب محمد هايف أنه حقق انتصاراً، في حين رأي مناوئوه أن تلك الفتوى ليست لها قوة قانونية، إذ إن الكويت دولة مدنية يحكمها دستور يعمل به منذ العام 1962.
ويعتبر حكم المحكمة الدستورية تثبيتاً للدولة المدنية في الكويت، فهو أكد أن الدستور الكويتي «لم يجعل الشريعة الإسلامية ـ بمعنى الفقه الإسلامي ـ المصدر الوحيد للتشريع... كما كفل الدستور الحرية الشخصية وأطلق حرية العقيدة، لأنها ما دامت في السرائر فأمرها إلى الله، ولم يجز التمييز بين الناس في الحقوق والواجبات بسبب الدين أو الجنس».
وذهب الحكم ليقول: «إن أحكام الشريعة الإسلامية لا تكون لها قوة إلزام القواعد القانونية، إلا إذا تدخل المشرع وقننها، وليس لها قوة النفاذ الذاتي والمباشر، وإنما يتعين أن يتم إفراغها في نصوص تشريعية محددة». ولم تكن النائبتان رولا دشتي وأسيل العوضي هما نجمتا ذلك الحكم، بل أصدرت المحكمة أيضاً رفضاً بالطعون الموجهة من مجموعة من مرشحي الدائرة الثانية، ومن أشهرهم عبد الله النيباري في صحة انتخاب سلوى الجسار، وأعلنت أن الأصوات التي حصلت عليها، وهي 4776 صوتاً، هي مطابقة تماماً للكشوف الانتخابية.
وفي ذات الإطار، ولكن في ما يخص شؤون طعون المرشحين ضد أبناء جنسهم، قبلت المحكمة طعن خالد العدوة (النائب السابق والمرشح على قائمة قبيلة العجمان)، حيث تبين أن ثمة أخطاء في عملية العد بفارق 600 صوت بينه وبين النائب بادي الدوسري، حيث أعيد الأول إلى كرسي النيابة، فيما أبطلت عضوية النائب الآخر.
وحدثت في الجلسة الأولى لافتتاح مجلس الأمة الكويتي في دورته الجديدة «حركة دراماتيكية»، حيث قررت الحكومة فجأة الانسحاب من عملية التصويت في انتخابات اللجان، وتركتها للأعضاء وحدهم، فما كان من النواب السلفيين إلا أن تلقفوا تلك الإيماءة، التي يعتقد أنها إشارة لحسن نوايا الحكومة بالتعاون، بالذات مع النواب المتشددين وعلى رأسهم نواب الحركة السلفية، فقاموا بتشكيل لجنة «الظواهر الدخيلة» على عجل وفازوا بعضويتها. ولجنة الظواهر الدخيلة تلك جرى حديث مطول عنها في الشارع الكويتي عند إنشائها، حيث يخشى المتنورون أن تكون أداة لقمع الحريات الاجتماعية القليلة المتبقية في الكويت!
ولم تنته الجلسة الافتتاحية لمجلس الأمة، والتي افتتحها سمو أمير دولة الكويت وحث فيها على تعاون السلطتين التنفيذية والتشريعية في الخطاب الذي ألقاه بتلك المناسبة، حتى انبرى بعض الأعضاء بتهديداتهم لهذا الوزير أو ذاك، مما أضفى على الجو السياسي قتامة، رغم أن الحكومة تمتلك أغلبية مريحة تستطيع بها مقاومة سحب الثقة من وزرائها المستجوبين. ويستغرب الكثيرون كيف يستطيع الوزراء أداء مهامهم بهدوء وكفاءة، «وسيوف» بعض النواب «مسلطة على رقابهم»، حيث تضخم أي هفوة أو خطأ للتهديد بالاستجواب الذي أصبح في غالبه للتكسب السياسي.
وليس لإصلاح الخلل أينما وجد!! وفي لقائه مع رؤساء تحرير الصحف اليومية الأحد الأول من نوفمبر، أشار رئيس الوزراء الشيخ ناصر المحمد إلى أن «بعض الأسئلة البرلمانية يأخذ طابعاً تعجيزياً وأسئلة يغلب عليها الطابع الشخصي، إضافة إلى الإفراط في استدعاء المسؤولين الحكوميين أو الإصرار على وجود أشخاص بعينهم»!
ومهما يكن من أمر فإنه على الرغم من الصعوبات التي تعانيها الحياة النيابية في الكويت، فإن حكم المحكمة الدستورية قد جاء بلسماً لأولئك الذين ينادون بأن تكون الكويت دولة مدنية منفتحة، تساير ركب العصر ومتطلباته المتجددة.
كاتب كويتي