هذه قراءة من خارج تقرير المعرفة؛ بمعنى أنها تقف على ردود الأفعال الصحافية المختلفة، إضافة لكيفية التناول من قبل بعض مواقع الإنترنت.

وهي قراءة تتماس بدرجة أو بأخرى مع طبيعة التقرير ومواصفاته المختلفة. أولا: التركيز على التوصيف؛ تعامل معظم الصحف والمواقع مع التقرير من زاوية توصيفه وتحديد أهدافه وطريقة عمله.

وهو تناول يكشف عن قدر من التسطيح الإعلامي، حيث تم نشر الخبر المتعلق به عبر معظم الصحف والمواقع، دون تغيير أو تبديل أو أي تناول نقدي. فالأخبار جاءت تعريفا بكون التقرير هو الأول في سلسلة من التقارير التي تعنى بالمعرفة في العالم العربي، والتعرف على طبيعة المخاطر المعرفية التي تواجهها المنطقة وكيفية التعامل معها.

كما أنه يستند إلى مسلّمتين أساسيتين، أولاهما التلاحم بين العناصر المكونة لثلاثية المعرفة والتنمية والحرية، وثانيتهما العلاقة الوثيقة بين مطلب التنمية وبناء مجتمع المعرفة. ويمكن القول هنا إن الكثير ممن تعرضوا للتقرير لم يقرؤوه، كعادة الإعلام العربي الذي يعتمد النقل دون التحري والتدقيق، كما أن هذا التناول جاء متفقا مع طبيعة التقرير البالغة الوصفية بخصوص قضية المعرفة في العالم العربي.

ثانيا: تناول منهجية العمل؛ ركزت الصحف والمواقع المختلفة بدرجة كبيرة على فرق العمل التي قامت بإنجاز التقرير، ولم تتناول منهجية التحليل. ففي معظم الصحف والمواقع تم التركيز على تشكيل فريق التقرير للعام 2009 من عدد من الباحثين والمفكرين العرب الذين أعدوا مجموعة من الأوراق الخلفية، التي استعان بها فريق مركزي مميز من المتخصصين العرب في صياغة محتواه، كما عمل هذا الفريق تحت مظلة وإشراف مجلس استشاري ضم نخبة من المفكرين والحكماء العرب الذين قاموا بتوجيه عملية إعداد التقرير، بدءا من تحديد خطوطه العريضة وتوجهاته الرئيسية ومنهجيات البحث فيه، وصولا إلى إقرار نصه النهائي.

ولم يحاول أي من الصحف والمواقع مناقشة منهجية العمل الكمية، فعلى الرغم من الموضوعية الرقمية التي تحلى بها التقرير، فإن موضوعا بالغ الحساسية مثل المعرفة، يستدعي منهجا كيفيا عميقا يتجاوز خداع الأرقام والتعميم إلى التعمق في الواقع ومظاهره المعرفية المختلفة، وهو أمر يفند الكثير من بعض الجوانب التي احتفى بها التقرير، بما في ذلك بعض المظاهر الثقافية الأقرب للاحتفاليات منها للتأثير الثقافي العميق.

ثالثا: صدمة الأرقام؛ وجد إغواء الأرقام متسعا كبيرا جدا عبر معظم الصحف والمواقع، فالعديد منها نقل عن التقرير أنه لا يزال في الوطن العربي 60 مليون أمي ثلثاهما من النساء، وما يقارب 9 ملايين طفل في سن الدراسة خارج أسوار المدرسة، كما أن حوالي نصف المجتمعات العربية قد أخفق في تحقيق معدلات التحاق مُرضية بالتعليم عند جيل الأطفال الحاليين.

والكشف عن أنه إذا وُزع مجموع الكتب المنشورة سنويا على عدد السكان يكون لكل 19150 مواطنا عربيا كتاب واحد فقط، بالمقارنة مع كتاب لكل 491 مواطنا إنجليزيا ولكل 713 مواطنا إسبانيا، أي أن نصيب المواطن العربي من إصدارات الكتب يمثل 4% و5% من نصيب المواطن الإنجليزي والإسباني على التوالي. كما تناولت الصحف موضوع الفقر في المنطقة العربية، فأكثر من 18% من العرب فقراء، كما تصاعدت نسبة البطالة في الكثير من الدول، مسجلة نسبة بلغت 30% في بعض الدول، في حين أن 45% من الدارسين العرب في الخارج لا يعودون إلى أوطانهم ويستقرون في الغرب.

كما ركزت الصحف والمواقع على ضعف البحث العلمي في العالم العربي، حيث ان معدل نصيب المواطن العربي لا يتجاوز 10 دولارات في السنة من مجمل ما ينفق على البحث العلمي، مقارنة بحصة المواطن في ماليزيا التي تبلغ 33 دولاراً، أو فنلندا 1304 دولارات.

ويصب كل ذلك في الفقرة الأثيرة لدى معظم الصحف والمواقع المنقولة عن التقرير، والتي تتعلق بإمكانية أن تواجه الدول العربية اضطرابات سياسية واجتماعية، إذا لم تستثمر بما يكفي في تعليم سكانها الذين يتزايد عددهم بمرور الوقت. اللافت للنظر هنا أن أغلب الصحف والمواقع العربية تناولت هذه الأرقام من باب إدهاش القراء، كما لو كانت هذه المعلومات جديدة أو نوعية.

رابعا: العبور السريع على مسألة الحريات؛ مثلما عبر التقرير سريعا على واقع الحريات السياسية والفكرية في العالم العربي، فقد جاء تناول الصحف والمواقع نادرا جدا لهذه المسألة، وتم بشكل عابر وسطحي جدا. وربما يعود ذلك بدرجة كبيرة لاهتمام الصحف والمواقع بالجوانب الأكثر تأثيرا في عقلية القارئ، ومنها صدمة الأرقام التي أشرنا إليها سابقا، كما يعود ذلك أيضا للمساحة المحدودة جدا التي أولاها التقرير لواقع الحريات في المنطقة، واعتبارها كغيرها من الموضوعات الاقتصادية والاجتماعية الأخرى.

خامسا: الترحيب من جانب بعض الدول والأقاليم؛ تناغمت بعض الصحف والمواقع مع بعض الإشادات التي وردت في التقرير عن بعض الدول والأقاليم. فبعض الصحف القطرية أشارت إلى اختيار دولة قطر الأولى على مستوى الدول العربية في القدرة الإبداعية في مراكز البحوث، كما أشار بعض المواقع الأخرى إلى أن العزاء الوحيد في التقرير، جاء من خلال إشارته إلى دول مجلس التعاون الخليجي بوضعها في فئة الدول ذات التنمية البشرية العالية.

وهو ما يدعو إلى التفاؤل بأن تحذو الدول الشقيقة حذو السعودية وشقيقاتها في نموذجها التنموي الناجح بشهادة الخبراء العالميين، مع أن هذه الإشارات الصحافية ذاتها تمت بدون مناقشة طبيعة التنمية في الخليج والتكلفة العالية المرتبطة بها، إضافة إلى استمرار اعتمادها على النفط كمصدر رئيسي للدخل.

سادسا: تناول بعض قضايا التقرير؛ بجانب ذلك تناول بعض الصحف والمواقع بشكل محدود جدا، بعض الجوانب التي تتعلق بالتقرير وإن بشكل وصفي، مثل ضعف العلاقة بين التعليم والنمو الاقتصادي في العالم العربي، وسيادة الأمية في المنطقة، والكيفية التي تعرض بها التقرير لمواجهة التحدي المعرفي، ووضع الخطط والاستراتيجيات الفعالة لمعالجة نواقص المعرفة، والعمل الجاد لمحو الأمية الأبجدية والرقمية لدى المواطن العربي.

إضافة إلى تناول التطور الإيجابي الخاص باللغة العربية ومعدل نموها على شبكة الإنترنت، على الرغم من أن ذلك تم بدون أي تناول نقدي أو تحليلي للكيفية أو الطريقة التي يتعامل بها العرب مع الإنترنت، والموضوعات المختلفة التي يقرؤونها.

وهي مسألة تعيدنا مرة أخرى للطابع الكمي الوصفي للتقرير، وضرورة تحوله مستقبلا للتحليل الكيفي النقدي الأكثر عمقا وتشبيكا وتعقيدا، وبشكل خاص في ما يتعلق بموضوعات المعرفة المختلفة.

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com