مسارعة الوزيرة كلينتون إلى الإيحاء بأنها تراجعت عن التراجع، بشأن الاستيطان،غير موفقة. بأحسن أحوالها، متأخرة. استدراكها، جاء كمحاولة حجب الشمس بالغربال. كلامها حول اعتبار مطلب وقف التوسع الاستيطاني، بأنه شرط فلسطيني مسبق وبالتالي غير مقبول؛ سمعه العالم بعبارات لا تحتمل التأويل ولا الاجتهاد. كانت إدارة أوباما مع هذا المطلب.
أو هكذا هي زعمت. لكنها عادت عنه واستدارت باتجاه تبنّي إصرار حكومة نتانياهو على مواصلة البناء. هو يزعم أن النشاط في هذا المجال سيكون «جزئياً»؛ وأن حكومته لن تقوم بمصادرة أراض ولا بناء مستوطنات جديدة، خداع مكشوف ومفخخ.
الإدارة الأميركية، لم تقبض هذا التحايل فحسب؛ بل اعتبرته بمثابة سخاء «غير مسبوق»؛ تولّت تسويقه والترويج له، لدى الجانب الفلسطيني، في إطار تقديم نصيحة مزعومة لهذا الأخير بأن «الحصول على نصف رغيف أفضل من لا شيء». المعنى واضح، لا يسمح بالرقص حوله. لكن رئيسة الدبلوماسية الأميركية أبت إلاّ أن تزعم بأنها أرادت من كلامها شيئاً آخر. شدّدت على أن الموقف الأميركي «لم يتغيّر» !
إذا لم يكن ما قالته في القدس، قبل يومين، يختلف عما كانت الإدارة تقوله سابقاً، بشأن الاستيطان؛ إذاً ماذا يكون التغيير وكيف؟ هل كانت زلّة لسان؟ لو كان الأمر كذلك، لكان استوجب التصحيح الفوري.
ثم حتى محاولة الترميم التي قامت بها جاءت، هي الأخرى، لذرّ الرماد في العيون وليس للتصحيح. تقول الوزيرة، في معرض الشرح إن الإدارة الأميركية «لا تقبل بشرعية الاستمرار في بناء المستوطنات». وأضافت بأن عرض نتنياهو جاء « أقل كثيراً مما كنا نود».
حتى مثل هذا الكلام المبطّن والملتبس، لم تتفوّه به الوزيرة أمام نتنياهو في المؤتمر الصحفي المشترك. لو كان الموقف حازماً قاطعاً، لكان على واشنطن الإعلان، ببساطة وشفافية، عدم شرعية الاستيطان ومن ضمنه التوسع في المستوطنات القائمة. اللف والدوران، من خلال عبارات مطاطة وملغومة، من نوع «لا تقبل بشرعية الاستمرار»؛ يمكن تفسيرها بأكثر من صيغة. ليس المقصود بها غير حجب الرجوع إلى احتضان سياسة الاستيطان الإسرائيلية.
وزيرة الخارجية كانت واضحة في تعبيرها عن الموقف الرسمي لإدارة الرئيس أوباما، عندما كانت في القدس؛ قبل ثلاثة أيام. استخدمت مفردات ساطعة في معناها، كالشمس؛ في تصنيفها لطلب تجميد الاستيطان، على أنه شرط مسبق تخلّت عنه الإدارة. أثار تنصلها انتقادات وخيبة فلسطينية وعربية. عندما التقت بوزراء ورسميين عرب في المغرب، كان لا بدّ من ترطيب الأجواء. لكن محاولة تلميع الموقف لم تسعفها. السيف كان قد سبق العزل.
