جولة المناورات السياسية بين روسيا والولايات المتحدة، والتي بدأها الرئيس الأميركي أوباما بتصريحاته عن تأجيل نشر الدرع الصاروخية في شرق أوروبا، بهدف إدخال تعديلات عليها، ما فسح المجال أمام جولة جديدة للحوار الروسي ـ الأميركي يمكن أن تكون أكثر إيجابية من الجولات السابقة، إلا أن هذه الجولة تتميز بالغموض.
فما زالت تعديلات أوباما على منظومة الدرع الصاروخية غير معروفة بالنسبة لموسكو، ما أثار قلق الأوساط السياسية، خاصة بعد تصريحات مساعد وزير الدفاع الأميركي حول إمكانية استخدام أراضي أوكرانيا في النظام الأميركي المضاد للصواريخ، أو استخدام محطات الرادار الأوكرانية في إطار برنامج الدرع الصاروخية الأميركية، ويدور الحديث عن محطتي الرادار في سيفاستوبول في القرم وفي موكاتشيفو بمقاطعة شرق الكربات، اللتين تخلت روسيا عن استخدامهما بعد عام 2008.
ثم جاء في أعقاب هذا التصريح ما كشف عنه نائب رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية الجنرال جيمس كارترايت، والخاص بأن وزارة الدفاع الأميركية تخطط في إطار منظومة الدرع الصاروخية الجديدة لنشر رادار للإنذار من إطلاق الصواريخ في منطقة القوقاز بدلا من تشيكيا.
هذه التصريحات أثارت قلق موسكو، خاصة أن مباحثات لافروف ـ كلينتون لم تقدم إجابات وافية عن خطة نظام الدفاع الأميركي الجديد، وحرص الوزير الروسي على مطالبة واشنطن بإطلاع موسكو على الخطة الجديدة، وأعرب عن أمله في أن يتم التوصل إلى تفاهم مشترك بشأن نظام العمل مستقبلا، الذي يتيح التعاون على تحليل أخطار الانتشار الصاروخي في العالم، والتصدي لها.
أما نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف فقد كان أكثر وضوحا، وأعلن أن روسيا تصنف التعديل الذي أدخلته الولايات المتحدة على مشروع نشر منظومة الدرع الصاروخية إيجابيا، غير أنه يبقي هذا الشأن مصدرا للعديد من التساؤلات. وأضاف أن موسكو تهتم بأمرين: أولهما أسلوب نشر المنظومة الدفاعية الجديدة المضادة للصواريخ وفقا للخطة الأميركية المعدلة، وثانيهما حجم هذه المنظومة. وأعرب عن قلق روسيا من مشاورات واشنطن مع كييف حول إمكانية استخدام محطتي الرادار الأوكرانيتين، في إطار تنفيذ البرنامج الجديد للدرع الصاروخية الأميركية.
تضاف إلى ذلك تصريحات جوزيف بايدن التي أدلى بها عقب انتهاء زيارته إلى بولندا، والتي أعلن فيها أن الولايات المتحدة لم تتخل عن نشر العناصر الأرضية من منظومة الدرع الصاروخية الأميركية في أوروبا، بل تم تأجيل تنفيذ هذا المخطط حتى عام 2015، مؤكدا أن واشنطن سوف تفي بجميع التزاماتها في ما يتعلق بالتحالف مع أوروبا.
وترافقت تصريحات بايدن مع حديث أدلى به رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك، في ختام مباحثاته مع نائب الرئيس الأميركي في وارسو، أعلن فيه استعداد بولندا للمشاركة في مشروع الدرع الصاروخية الأميركي الجديد، واعتبر أن نشر صواريخ اعتراضية من طراز «سح-3» في إطار المنظومة الأميركية للدفاع المضاد للصواريخ يعتبر مشروعاً هاما، وأن بلاده تحرص على المشاركة في هذا المشروع.
وتجدر الإشارة إلى أن سعر صاروخ سح-3 الذي يتم إطلاقه من البحر لا يزيد عن 10 ملايين دولار، أي أنه أرخص سبع مرات من المنظومة الصاروخية الأرضية التي وعدت الإدارة الأميركية السابقة بنصبها في بولندا.
وتقود سلسلة التصريحات الأميركية إلى استنتاجات هامة، أبرزها أن المخطط الجديد لمنظومة الدفاع الأميركية المضادة للصواريخ، قد يكون أكثر تطورا وأقل تكلفة ـ كما أعلن الرئيس الأميركي أوباما ـ إلا أنه لن يكون حلا إيجابيا للخلاف الروسي ـ الأميركي حول ملف الدرع الصاروخية، إذ إنه لا يتجاوب مع الاعتراضات الروسية. فاستخدام محطتي الرادار الأوكرانيتين سيحقق نفس الغرض من الرادارات التي كان سيتم نشرها في تشيكيا وبولندا ولكن بتكاليف أقل، واستخدام صواريخ سح-3 التي يتم إطلاقها من البحر، يشكل تهديدا للأمن القومي الروسي.
وتكشف المواقع التي تنوي واشنطن استخدامها في خطتها الجديدة، أن نوايا إدارة أوباما قد لا تختلف كثيرا عن نوايا إدارة بوش، وما زال المشروع يهدد أمن روسيا، إلا أن الولايات المتحدة عمقت ووسعت المشروع، وألقت مسؤولية تنفيذه على عاتق أطراف أساسية من برنامج «الشراكة الشرقية» الذي يحاول الاتحاد الأوروبي إنجازه.
كاتب أوكراني