مرّة أخرى تعرضت العاصمة العراقية بغداد لموجة جديدة من التفجيرات يوم الأحد 25 أكتوبر الماضي، تعد الأعنف دموية منذ ما يزيد على عامين، إذ ذهب ضحيتها ما يقارب 153 قتيلاً، وأكثر من 500 جريح. واستهدفت التفجيرات هذه أهدافاً بليغة، مثل وزارتي العدل والأشغال ومحافظة بغداد بمنطقة الصالحية، وضربت بذلك رموزاً قوية لسلطة عراقية هي في الأساس ضعيفة، وعاجزة عن بلورة مشروع وطني لإعادة إنتاج الدولة الوطنية الحديثة، دولة الحق والقانون، المعبرة عن الكلية الاجتماعية والقائمة على مبدأ المواطنة.

فالقوى السياسية التي استلمت السلطة في ظل الاحتلال الأميركي للعراق، لم تستطع أن تتحرر من الروابط والعلاقات ما قبل الوطنية، كالعشائرية والعرقية والمذهبية والطائفية، ولم تع أن الاندماج في فضاء الدولة الوطنية هو الذي يمنح الأفراد هويتهم الوطنية، ويمنح الجماعات والفئات الاجتماعية والأحزاب السياسية والتيارات الفكرية هويتها الوطنية، ولا سيما أن الوطنية هي الانتماء إلى الوطن/ الدولة، فلا وطن بلا دولة.

وكان رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي قد بنى صدقيته على تحسين الوضع الأمني في البلاد. وكانت الوزارتان اللتان استهدفتا من قبل التفجيرات الدموية، أقيمتا مرة ثانية في شارع حيفا الذي يقع في مركز المدينة، والذي يُعد من أخطر شوارع العاصمة العراقية ما بين نهاية سنة 2004 ونهاية 2005. فالكتل الإسمنتية المسلحة التي أقيمت لتفادي مثل هذه الهجمات تمت إزالتها، والأمر عينه بالنسبة للكتل الإسمنتية التي تحيط بالمنطقة الخضراء، المحمية أمنياً. وكانت العاصمة العراقية مسرحاً لهجمات مماثلة يوم 19 أغسطس الماضي، استهدفت وزارتي المالية والخارجية اللتين تقعان في محيط «المنطقة الخضراء»، بدقة متناهية، وبقوة تدميرية عالية، وبالطريقة عينها.

لا شك أن تفجيرات الأحد قبل الماضي قوضت ثقة العراقيين بقدرة الجيش والقوات الأمنية على الدفاع عنهم، في الوقت الذي بدأت فيه الولايات المتحدة الأميركية بسحب بعض قواتها. وتعد القوات الأميركية في الوقت الحاضر ما يقارب 120 ألف عسكري، وسيتم تخفيض هذه القوات إلى نحو 50 ألف عسكري قبل 31 أغسطس 2010، على أن تغادر نهائيا الأراضي العراقية في آفاق سنة 2011.

من وجهة نظر الحكومة العراقية، هذه التفجيرات الدموية تستهدف الانتخابات العامة المقرر إجراؤها في أواسط شهر يناير 2010، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه، كيف يمكن إجراء مثل هذه الانتخابات في الوقت الذي عجز فيه البرلمان العراقي عن إقرار قانون الانتخابات؟

ففي آخر جلسة للبرلمان العراقي التي حضرها نحو مئة نائب من أصل 275، في الوقت الذي يتطلب التصويت حضور ما يقارب 130 نائباً على الأقل، أخفق البرلمان مجدداً في التصويت على القانون، من جراء الخلاف على قضية كركوك.

وتعتبر منطقة كركوك، الواقعة على حدود إقليم كردستان العراق المتمتع بحكم ذاتي، منطقة غنية جداً بالنفط، ومُحَمّلة برموز تاريخية، وموضوع صراع قوي بين السكان العرب، والأكراد، والتركمان، الذين يشكلون الفسيفساء القومية للمدينة. وبينما يعتبر الأكراد كركوك مدينة كردية بامتياز يجب ضمها إلى إقليم كردستان، يرفض العرب ومعهم التركمان السيادة الكردية على المدينة.

وهكذا، جاءت الشوكة العراقية لتعرقل استراتيجية إدارة الرئيس أوباما، التي حدّدت أولوياتها من خلال محاولة كسب الحرب في أفغانستان، لتجد الولايات المتحدة نفسها سجينة السياسة العراقية العاجزة عن إقرار قانون الانتخابات، رغم دعوات أوباما الملحة لإيجاد تسوية مرضية حول هذا الموضوع.

وكان السفير الأميركي لدى العراق كريستوفر هيل، وقائد قوات الاحتلال الأميركي الجنرال راي أوديرنو، أعلنا في بيان مشترك «نحن ندعو الزعماء السياسيين إلى تسوية خلافاتهم، واتخاذ إجراء سريع لعمل ما يخدم مصلحة الشعب العراقي حتى يستطيع أن يمارس حقوقه الديمقراطية في 16 يناير 2010». من الناحية الاستراتيجية والعسكرية، أثبتت التفجيرات الأخيرة أن الحرب العراقية لا تنتمي إلى الماضي، كما توهم البعض.

كاتب تونسي

tawfik-m@scs-net.org