وضع سقوط جدار برلين نهاية للتنافس الكابوسي بين موسكو وواشنطن، الذي امتد على الساحة الجيوسياسية العالمية قرابة نصف قرن. ولكن بعد انتصار الولايات المتحدة في الحرب الباردة قبل عشرين عاما، خسرت الإدارات الأميركية المتتابعة الروس من ذلك الحين. واليوم يحتدم الخلاف بين النخب في موسكو وواشنطن حول العديد من القضايا الدولية.
لقد تطورت روسيا، ولكنها ما زالت أبعد ما تكون عن الازدهار والتحول إلى ديمقراطية مؤيدة للغرب تتجه إلى الاسترشاد بالسوق، وهو ما كان يحلم به كثير من المحللين. تطورت إلى دولة سلطوية تعتمد على العائدات النفطية في الداخل، وتسترشد بطموحات مبالغ فيها في الخارج.
أين مكمن الخطأ إذن؟ إن قدرة إدارة أوباما على إعادة ضبط العلاقات مع روسيا الجديدة، تعتمد على الإجابة على هذا التساؤل. وكنتيجة لتجارب مختلفة في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، فإن واشنطن وموسكو قد وصلتا إلى تبني وجهات نظر مختلفة تمام الاختلاف حول مكن الخطأ في علاقاتهما، وما الذي تعنيه إعادة ضبط هذه العلاقات.
لقد استفاد الغرب على نحو لا موضع للشك فيه، من الانتصار في الحرب الباردة. ويبدو ذلك جليا في توسع أوروبا الجديدة التي تعد كيانا مسالما ومزدهرا أكثر من أي وقت مضى في تاريخها. ولكن مع المغالاة في الاتجاه شرقا، انهارت الطموحات الكبرى التي تعود إلى أوائل التسعينات، عندما كان الغرب يعتقد أن مزيجا من الحتمية التاريخية والبطولة الغربية سيجلبان الأسواق والديمقراطية إلى روسيا.
انهارت الطموحات بسرعة وسط مشاعر متبادلة بخيبة الأمل، وفشل التهديد الذي تعرض له الجانبان من قبل الإرهاب في تنشيط العلاقات بينهما، وتجمدت العلاقات وسط حشد من الخلافات المريرة حول قضايا عالمية، في مقدمتها العراق وإيران ومعاهدات الصواريخ البالستية وخطوط الطاقة والثورات الوردية والبرتقالية. وفي إدارة بوش التي اندفعت بحماس نحو أهدافها.. تم تجاهل إمبراطورية الشر تماما.
ولكن إذا كانت روسيا بوريس يلتسين قد اضطرت إلى الإذعان في مواجهة تعالي واشنطن، فإن روسيا بوتين لم يحدث منها هذا. فقد حلقت طموحات روسيا العالمية عاليا، جنبا إلى جنب مع أسعار النفط، وتبنت موسكو رؤية جديدة للعالم تستهدف تحقيق المساواة مع واشنطن. وينظر إلى كل النكسات التي يمكن إيقاع الولايات المتحدة فيها، على أنها انتصارات بالنسبة لروسيا. وفي هذا على وجه الدقة تكمن مشكلة إعادة ضبط العلاقات بين البلدين.
ويرى الأميركيون أن لهجة مختلفة في واشنطن ستفضي إلى سياسة مختلفة في موسكو. والكرملين يفهم إعادة ضبط العلاقات بين البلدين بصورة رئيسية، على أنها فرصة للأميركيين لإعادة ضبط إساءات السياسة الأميركية لروسيا، كشرط مسبق لإعادة المياه إلى مجاريها بين البلدين.
كيف تتعامل واشنطن مع روسيا الحالية؟ إن روسيا لا يمكن تجاهلها، باعتبارها قوة فائقة في مجال الطاقة، وعضوا دائما في مجلس الأمن الدولي يتمتع بترسانة نووية يعتد بها. وبالنسبة للغرب بصفة عامة والولايات المتحدة بصفة خاصة، فإن علاقات جدية معها لا يمكن أن تقوم على حطام جدار برلين، وتحقيق التقدم في هذا المجال سيتطلب تفهما جديدا لروسيا على العديد من الجبهات. إن ما لا يمكن القيام به حيال روسيا، سيظل مهما تماما مثل ما يمكن القيام به.
أولا، ينبغي على الغرب وواشنطن بالتحديد، اختيار المعارك بعناية. وقد قررت إدارة الرئيس أوباما بحكمة، عدم أولوية عضوية جورجيا وأوكرانيا في حلف «الناتو»، في ضوء أنه لا يمكن إنجاز الكثير على المدى المتوسط من دون حدوث رد فعل حاد من جانب روسيا.
ثانيا، لا ينبغي على واشنطن أن تتوقع اتفاقات شاملة حول القضايا الرئيسية أقرب إلى المكافآت أو التعويضات، حيث أن الرؤية الروسية الحالية للجيوسياسية العالمية، ومعها تفهم النخبة الروسية للضوابط الحقيقية لبلادهم.. تعنيان أن روسيا اليوم أكثر اهتماما بالإمساك بالأوراق الرابحة من اللاعب الفعلي بهذه الأوراق. وهذا يبدو أوضح ما يكون في موضوع إيران، حيث يقدم الكرملين نفسه باعتباره حارس بوابة هذه القضية.
وبغض النظر عن التعامل الحذر مع مثل هذه القضايا الكبرى، فإن هناك فرصا أضيق نطاقا. فعلى صعيد العلاقات الثنائية يمكن للغرب أن يركز على القضايا الواضحة التي يظهر الاهتمام بها بصورة جلية. وفي هذا الصدد، فإن تحقيق الاستقرار في أفغانستان يعد في قمة أهداف أميركا، وهو أمر مهم لروسيا التي تشكل أفغانستان الخاصرة الضعيفة بالنسبة لها.
وعلى المستوى الاستراتيجي، فإن هناك فرصا متاحة للولايات المتحدة لتوظيف صلاتها القوية بأوروبا وعلاقاتها الايجابية نسبيا مع تركيا، لكي تتجه بشكل أكثر حسما في ما يتعلق بصياغة استراتيجية صحيحة وعلاقات أوثق بشأن الطاقة بين أوروبا وروسيا، خاصة مع إمداد التقنيات الحديثة للأوروبيين بميزة أكبر في صياغة علاقات غالبا ما تكون متطورة.
أخيرا.. فإن جانبا من أسباب اضطراب العلاقات الأميركية الروسية سياسيا إلى حد كبير، هو أنها تتأثر بعدد محدود من العناصر الاقتصادية والمالية التي تميز علاقات موسكو بأوروبا وشرق آسيا. وبينما لن تسيطر الولايات المتحدة على أسواق هذه المناطق، فإن الجغرافيا تظل عنصرا مهما. وهناك نطاق عريض للاستثمار والتعاون بين أنشطة الأعمال الروسية والأميركية.
وإذا عدنا بالأنظار إلى العقدين من الزمن اللذين انقضيا منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، فإن المرء يشعر بالميل للنظر إلى العلاقات الأميركية الروسية منذ ذلك الحين، باعتبارها تمثل فشلا. وقد كانت فشلا بالفعل في ضوء التوقعات غير الواقعية التي برزت في أوائل التسعينات. ولكن بعد عقدين، ربما ما زال هناك مجال للتقدم في علاقات أقل مثالية وأكثر واقعية.
رئيس مجموعة يوراشيا للاستشارات السياسية