لم تمض أسابيع قليلة على مهاجمة وزارتي الخارجية والصحة العراقية، في ما يُعرف بالأربعاء الدامي أو الأسود، حتى وقعت مأساة جديدة. الهدفان الجديدان يمثلان السيادة العراقية الحكومية في الصميم، بالتسمية وزارة العدل ومجلس محافظة العاصمة بغداد. «الأحد الأسود» هو الحد الأدنى لما يمكن أن يطلق على الحدث الجديد.
وكما لو كانت بقية أيام الأسبوع ناصعة البياض! في ذاكرة المواطن العراقي العادي. لا تزال الحكومة العراقية تبحث عن معين لتحديد هوية مرتكبي الحادث الأول! لذلك لجأت إلى مجلس الأمن الدولي، في منحى لتدويل الأزمة وإضافة أوراق جديدة تهدف إلى توريط الغير في الشأن العراقي. اجتياز سيارات نقل بضائع أو شحن تحمل مئات الكيلوغرامات من المواد شديدة الانفجار عبر الحواجز الأمنية المكثفة، يثير التساؤل عن الجهة المسؤولة عن هكذا تفجيرات.
نتيجة تفحّص الصور الناجمة عن التفجيرين، فإن هنالك طبيعة خاصة للمواد المستخدمة في التفجيرين، خاصة التفجير الذي استهدف مبنى مجلس محافظة بغداد. أتى التفجير على كل محتويات المكاتب والعنابر والحجرات الداخلية لمجلس المحافظة، بنفس القوة والشدة والتأثير والنتائج. ذلك كما لو كانت القنبلة المتفجرة هي من النوع المخصص للتعامل مع الأنفاق الأرضية والعنابر المحصنة المغلقة.
ثمة أعداد غير عادية من الإصابات وصلت إلى حوالي الألف بين قتيل وجريح. هذا إضافة إلى عشرات الأطفال الذين اختفت أجسادهم نتيجة التفجير. من يعرف؟! ربما هذا نوع سري جديد من المواد المتفجرة يُستعمل في حرب الإبادة ضد الشعب العراقي. حتماً هذا النوع من القنابل لا يتوفر لدى المقاومة الوطنية ولا المليشيات ولا الدولة العراقية، ولا حتى الدول المجاورة «المتهمة» عادة بالضلوع في هكذا أعمال إجرامية. هنالك دولتان حاضرتان في المشهد العراقي تمتلكان مثل هذا النوع من المواد المتفجرة، الولايات المتحدة وإسرائيل.
الإشارة الروتينية بإصبع الاتهام إلى جهات خارجية مجهولة، هو تعبير عن العقم في مواجهة الواقع ووضع النقاط على الحروف في المشهد العراقي الداخلي. الأجهزة الأمنية العراقية المسؤولة عن التحقيق في هكذا حوادث وتحديد هوية المرتكبين لتلك الأعمال الإرهابية، باتت في وضع يثير الكثير من التساؤلات الجدلية العقيمة.
النتيجة تقول إن هكذا أجهزة أمنية باتت مخترَقة، تبعاً لذلك مشلولةً، ولا يمكن الركون إليها أو عليها للحفاظ على أمن المواطن وكيان الدولة. المنظومة الأمنية الوطنية لأية دولة حديثة، هي العمود الفقري والنخاع الشوكي لاستمرار عمل مؤسسات الدولة وتحقيق الأمن والأمان فيها.
العملية السياسية في العراق بدأت هشة، أو هكذا أراد لها الاحتلال أن تكون. إذ كيف لاحتلال انبثق لمحاربة التطرف الإسلامي «الفاشي!» أن يدعم نظاماً سياسياً تسيطر عليه أحزاب إسلامية؟! أحدث الاحتلال انقسامات عميقة في جسد الشعب العراقي الواحد، بهدف إبقاء أبناء الوطن الواحد على شفا حروب أهلية.
تحاول الحكومات المتعاقبة إصلاح هذا الواقع المأساوي عن طريق إجراءات من جانبها سطحية، كان منها الترويج الإعلامي للزواج عبر الطوائف، وإعطاء جوائز مالية على ذلك وإقامة حفلات زواج جماعي! تتلاهى الأحزاب النافذة في الحكم والسيادة، وجلها طائفية مذهبية عرقية حتى النخاع، بتقوية أنفسها وتعميق جذورها. تستغل في ذلك انشغال المواطن العراقي بتحصيل قوت يومه وحمل جراح حاضره وهموم مستقبله.
الأحزاب «الإسلامية» تواصل اللعب على أوتار التفرقة المذهبية والطائفية بشكل صارخ، علنياً وضمنياً. الحزبان السياسيان الكرديان الانفصاليان في الشمال، لا يتوانيان عن إضافة وحل إلى مستنقع الأزمة العراقية العامة. يفتعل الحزبان مشاكل ويخلقان أزمات مع المحافظات والأقليات العرقية والحكومة المركزية. يستحوذ الحزبان ما أمكنهما على عائدات النفط العراقية، لخدمة مصالح بعيدة عن مصالح وحدة الوطن العراقي. وبفضل أنشطتهما السياسية الانفصالية، تحولت قضية مدينة كركوك مثلاً إلى كابوس دائم يؤرق أدمغة كل من لهم علاقة.
ما بدأ بوعود رومانسية بنشر الديمقراطية في العراق على الطريقة الغربية، الأميركية ـ الإسرائيلية بالذات، بات كابوساً يؤرق من لهم علاقة بالشأن العراقي. انحسرت رموز الدولة الجديدة السياسية والإدارية والسيادية، في أجهزة شكلية ثمة مخترَقة. الجيش العراقي الجديد تسيطر عليه المليشيات ذات الولاء لأجنداتها الطائفية.
مجلس الوزراء العراقي يضم مزيجاً من حملة الجنسيات العراقية والخارجية، مما يجعل من مستوى ولائه للدولة «الأصل أو الأم» محل استفهام دائم. الأمر ذاته ينسحب على مجلس النواب الذي باتت أهداف وغايات النواب فيه تنصب وتتركز على أمور شخصية أو طائفية ضيقة، لا تخدم عموم الشعب والوطن العراقيين.
الداعم الرئيسي للعملية السياسية في العراق، الولايات المتحدة، تواجه وضعاً داخلياً وسياسياً دولياً لا تُحسد عليه. التورط الأميركي مع القبائل في المناطق الجبلية الوعرة بين باكستان وأفغانستان، لا تنفع معه الزيادة في حجم القوات، ولا إحداث حروب داخلية أهلية في هاتين الدولتين الجارتين. إذن، للتخفيف من أعباء الحرب الأميركية على «الإرهاب»، على الولايات المتحدة إنهاء تواجدها في العراق، وبأسرع وقت ممكن.
ربما لم يحن الوقت لإعلان اليأس الكامل من عملية سياسية وُلدت في أوضاع نشاز غير عادية، ثمة مثيرة للجدل. لكن بات على المسؤولين العراقيين أن يهبطوا بأنفسهم من حالات الانفصام التي وقعوا فيها، نتيجة تولّيهم مناصب أتت لهم في معظمها كمكافآت على مؤازرتهم لقوى الاحتلال. عملياً الاحتلال يلفظ أنفاسه الأخيرة، نفسياً وأخلاقياً ومعنوياً وسياسياً واقتصادياً وحتى عسكرياً. التحذيرات الأميركية للطرف العراقي، بين الحين والآخر، تسير في هذا السياق ومنذ زمن ليس بقصير.
في الفترة القصيرة المتبقية لوجود الاحتلال، على المسؤولين العراقيين التسابق الحثيث مع الزمن لإصلاح أوضاع باتت شديدة العبثية. عدا عن ذلك فالمستقبل يضمر للقائمين على العملية السياسية أوضاعا من الصعب التفاؤل بشأنها.
قسم العلوم السياسية ـ جامعة الإمارات
