بعد غد (الثلاثاء 3 نوفمبر) سيكون حاسما في ما يخص عملية المصادقة على اتفاقية لشبونة، التي ستضع موضع التنفيذ الإطار القانوني لعمل الاتحاد الأوروبي خلال المرحلة المقبلة. فمن المتوقع أن تحسم المحكمة الدستورية التشيكية موقفها من الطعن الذي قدّمه بعض نواب الحزب المدني الديمقراطي التشيكي المحافظ، لاعتقادهم أن هذه الاتفاقية لا تنسجم مع الدستور الوطني للبلاد، وبالتالي فإن كلمة هذه المحكمة ستكون حاسمة في إطلاق عجلة التطوير داخل الاتحاد الأوروبي.

المؤشرات المتوفرة تفيد بأن قرار المحكمة سيكون عاملا مساعدا في تعزيز التضامن الأوروبي، وبالتالي مناهضا لما يطمح إليه البعض من لجم ذلك التضامن ووضع الضوابط عليه.

وقد سبق لهذه المحكمة أن أعلنت في قرار سابق أن الاتفاقية المذكورة لا تمس السيادة الوطنية في جوهرها، بل على العكس تماما، فهي تتوافق مع تطلّعاتها في ما يتعلق بمسألة تعزيز وجود البلاد في المحيط الأوروبي الأوسع، وتحقيق الانسجام مع مبادئه الديمقراطية بشتى تفرعاتها.

ويكتسب القرار القضائي المذكور أهمية استثنائية، بعدما نجحت الرئاسة السويدية للاتحاد الأوروبي في تذليل أبرز عقبة تمثّلت بما كان يطالب به الرئيس كلاوس من استثناءات خاصة، يتم تضمينها في البند المتعلق بحقوق الإنسان في الاتفاقية المذكورة، لا سيما ما قد يفسّر في المستقبل بطريقة قد تهدّد بعض الحقائق والأمور ذات البعد التاريخي، وتحديدا ما يتعلق منها بالتطور الذي حدث مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية في ما كان يعرف سابقا بجمهورية تشيكوسلوفاكيا. وبالرغم من أن الاستثناء المذكور لم يكن سوى نصّ مكوّن من كلمتين صغيرتين وفاصلة، إلا أنه أشاع حالة من التفاؤل بين الأطراف الراغبة في إنجاز هذا المشروع المعقّد.

وكما بات معروفا، فإن كلاوس وفي محاولة لاستنهاض المشاعر القومية لأبناء وطنه، احتمى ببعض القضايا الحساسة جدا التي أثبتت جدواها في تعبئة الجماهير في أكثر من مناسبة، وأقصد هنا تحديدا المراسيم القانونية التي أصدرها الرئيس التشيكوسلوفاكي الأسبق إدوارد بينيش، وتم بموجبها تأميم ممتلكات ملايين الألمان والمجريين والنمساويين بسبب تعاملهم آنذاك مع النظام النازي.

فالمطّلع على تفاصيل الحرب العالمية الثانية وإفرازاتها اللاحقة، يعي جيدا أن هذا الموضوع لا يزال يشكّل واحدة من أبرز المشاكل ذات البعد العاطفي الحساس، ليس في تشيكيا والدول المحيطة بها فحسب، بل أيضا في دول أخرى تمتد حتى إيطاليا وكرواتيا وغيرهما. وجميع هذه الدول توجد فيها اليوم أقليات منظّمة يديرها أحفاد الذين أُبعدوا من أراضيهم السابقة، ويطمحون حسب ما يعبّرون عنه في أدبياتهم المختلفة، لإعادة رسم التاريخ والطعن في تطوره السلبي، بالاعتماد على اتفاقية لشبونة تحديدا.

في هذا السياق جاءت الإيضاحات الصادرة عن الجانبين المجري والسلوفاكي بمثابة إضافة لمسلسل التشويق الآنف الذكر. ففي الوقت الذي هدد فيه الأوّل باحتمال الطعن في اتفاقية لشبونة إذا اكتسبت «لونا تشيكيا» خاصا، فإن الثاني عبّر بكل طمأنينة وبثقة متناهية بالنفس عن أنه لا يعتبر الاستثناء التشيكي مرتبطا بأي شكل من الأشكال بمراسيم الرئيس بينيش، وبالتالي فإنه لا يشعر أنه مهدّد باحتمال ممارسة الضغوط عليه في المستقبل لإعادة الممتلكات المؤممة إلى المجريين.

هذا يعني بكل بساطة أن الموضوع سيبقى قائما بكل تفاصيله المثيرة للخلاف، وخصوصا بين الدولتين المذكورتين، لأن الخلاف بشأن المراسيم آنفة الذكر انتقل حكما إليهما، باعتبار أن سلوفاكيا أصبحت اليوم جمهورية ذات سيادة بعد فكّ فيدراليتها مع تشيكيا، وبالتالي فإن مشكلة الممتلكات المجرية أصبحت ثنائية البُعد، لأن المبعدين كانوا مقيمين في الأراضي التي تتبع حاليا للسيادة السلوفاكية وليس التشيكية.

وإذا أضفنا إلى هذه المشكلة ما هو عالق أصلا بين البلدين منذ فترة، وكاد أن يصل إلى قطيعة دبلوماسية على مستوى عالٍ (ناهيك عن المواجهات الدموية المتفرقة)، نرى أنفسنا أمام مشهد في غاية التعقيد والدقة في سياق العلاقات الدولية.

لكن يبدو أن تشيكيا، غير الموحدة أصلا في طرح هذه المشكلة، لن ترتاح حتى بعد هذا «الانتصار» المحدود الذي حققه كلاوس. فبعض القوى والشخصيات ترى في ما يطالب به كلاوس بُعدا غير واضح، في ما يخص التعامل مع مسألة حقوق الإنسان في كثير من القضايا والملفات.

هذا ما يؤمن به على سبيل المثال ميخائيل كوتساب الوزير المكلّف بشؤون حقوق الإنسان، والذي تحفّظ على منح رئيس الحكومة تفويضا بالتوقيع على الاستثناء الجديد، وكذلك ممثلو النقابات العمّالية الفاعلة الذين يرون في مطالب كلاوس لغما مؤقتا، قد تستخدمه لاحقا القوى اليمينية في مواجهة الحركة النقابية إذا تقدمت بأية مطالب لصالح العمال والموظفين.

ويرى هؤلاء أن اتفاقية لشبونة، بعكس ما يدّعي كلاوس، تتضمّن مجموعة من المعايير والضوابط التي تضمن للعمال والمستخدمين حقوقهم وواجباتهم، في حين أن الاستثناء الذي ناضل من أجله الرئيس التشيكي سيقلل من فرص الاستفادة من تلك المعايير، وسيجعل القوانين التشيكية المحلية منطلقا أساسيا لأي خلاف قد ينشأ في المستقبل.

وبغض النظر عمّا أثارته هذه الحركة الرئاسية التشيكية من نشاط متوتر على أكثر من صعيد، إلا أنه يُحسب للرئيس كلاوس قدرته على ممارسة دوره السيادي المناط به، بكل ثقة ومسؤولية. وهذا حتما دور الرؤساء الحقيقيين!

كاتب لبناني

ezzedine@vol.cz