بمناسبة اليوم الأوروبي لمكافحة الاتجار بالبشر (18 أكتوبر)، أكد أحدث تقرير دولي أعدّه برنامج الأمم المتحدة التنفيذي لمكافحة الجريمة والإرهاب ووزعته الدائرة الإعلامية بمقر الأمم المتحدة في فيينا مؤخراً، أنه تم الإبلاغ عن تسعة آلاف ضحية في شبكات عصابات المافيا والاتجار بالبشر في أوروبا خلال العام 2006، أي أقل من 3,3% من إجمالي العدد المتوقع وهو 270 ألف ضحية، لكن التقرير لم يكشف عن أعداد الضحايا خلال الأعوام 2007 و2008 و2009 التي يعتقد المراقبون أنها تضاعفت عشرات المرات.

ونسب إلى التقرير الدولي تأكيده وجود درجة عالية من الاتجار بالبشر داخل العديد من الدول الأوروبية، وخصوصاً بين دول المنشأ في جنوب شرق أوروبا. وفي الوقت نفسه لاحظ معدو التقرير الدولي، وهم نخبة من الخبراء في مكافحة الجريمة المنظمة والمستشارين القانونيين، أن ضحايا الاتجار بالبشر من الأوروبيين شكلوا القسم الأكبر من إجمالي عدد الضحايا الذين تم الكشف عن هوياتهم.

في حين أظهرت الاتجاهات الحديثة انخفاضاً في تدفق النساء والأطفال الذين وقعوا في مصيدة المنظمات الإجرامية المتخصصة في الاتجار بالبشر عبر المصادر التقليدية، مقابل زيادة كبيرة في عدد الضحايا الذين ينتمون إلى بلدان تقع في آسيا الوسطى وبلدان الاتحاد السوفييتي السابق بالإضافة إلى الصين.

وأوضح التقرير أن معظم المتورطين في هذه الجرائم في أوروبا هم من السكان المحليين، وفي كثير من الأحيان يدخل الأجانب، ولا سيما أولئك الذين دخلوا بطريقة غير مشروعة، طرفاً أساسياً في إدارة شبكات الاتجار بالبشر، حيث يقع الضحايا، وبينهم عدد كبير من النساء من جنسية نفس البلد الذي يتواجدون فيه، فريسة لأعمالهم الشريرة.

ويؤكد الدكتور أنطونيو كوستا ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في فيينا، المدير التنفيذي لبرنامج الأمم المتحدة لمراقبة المخدرات ومنع الجريمة، أن جرائم الاتجار بالبشر في العديد من الدول الأوروبية لا تزال تتصاعد، ولا يمكن إخضاعها للسيطرة أو المراقبة أو الاحتواء الشامل، مشدّداً على أن شخصاً واحداً من بين مائة ألف شخص في أوروبا مدان بتهمة الاتجار بالبشر، وهو معدل أكثر بكثير من معدل جرائم مثل خطف الرهائن أو التعديات على الحريات العامة والشخصية.

وأكد الدكتور كوستا أن معظم ضحايا الاتجار بالبشر الذين تم الكشف عن هوياتهم في أوروبا، هم من النساء الشابات اللواتي وقعن في فخ الاستخدام للأغراض الجنسية، كما تبين أن أكثر من 10% من ضحايا الاتجار بالبشر هم من الأطفال، بالإضافة إلى الضحايا من العمال الذين يتم استغلالهم للقيام بأعمال السخرة في البناء والزراعة. وتساءل: لماذا يتاجر البشر بأبناء جنسهم وحتى أقربائهم وأقرب الناس لهم؟ ولماذا تستغل النساء بعضهن بعضاً حتى في جرائم الاتجار بالنساء والأطفال؟!

سؤال كبير يتوجب على دول العالم كافة الإجابة عنه بكل شفافية ووضوح، عبر التصدي الحقيقي بجهود متكاتفة من مختلف المؤسسات والقطاعات في كل دولة، وهذا ما ترجمته دولتنا بإدراك قيادتنا الرشيدة، لمخاطر وأبعاد هذه الظاهرة المنبوذة أخلاقياً وإنسانياً وحضارياً، والتي تتسم بطابعها الخفي الذي تقف وراءه عصابات الجريمة المنظمة، وكونها تتضمن حافز الكسب المادي الذي يجعل منها تجارة مزدهرة ومدرة للأموال، إلى جانب تشعبها نظراً لاختلاف أغراضها، سواء كان من أجل العمل الإجباري أو الجنس أو الأعضاء البشرية، أو حتى من أجل طقوس دينية غربية تم تسجيلها مؤخراً!

لقد أدركت دولة الإمارات خطورة هذه الظاهرة، وقررت أن تضم جهودها إلى جهود المجتمع الدولي لمحاربة الاتجار بالبشر كظاهرة خطيرة تمس كرامة الإنسان، فاتخذت خطوات عملية على مختلف الأصعدة الوطنية والإقليمية والدولية.. فقد أصدرت القانون الاتحادي رقم 51 لعام 2006، الذي يمنع هذه الآفة ويعتبرها جريمة يعاقب عليها القانون.

وتم على أثره تشكيل لجنة وطنية مهمتها تنسيق جهود مكافحة هذه الجريمة. وكجزء من استراتيجيتها الوطنية والدولية، صادقت دولة الإمارات على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية، والبروتوكول الملحق بها، وشاركت في العديد من المحافل، التزاماً منها ببناء المبادرات ووسائل الشراكة للحد من هذه الظاهرة.

وفد المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان الذي زار البلاد مؤخراً، أشاد بدور دولتنا الرائد في مكافحة جرائم الاتجار بالبشر، مؤكداً أن جهودها في هذا الصدد وجدت تقديراً دولياً وتصدرت التقارير الأممية الصادرة عن الجهات المعنية بهذه القضية التي أصبحت تؤرق الكثير من المجتمعات البشرية، كما أبدى إعجابه بتجربة الدولة في إقامة مراكز إيواء لضحايا الاتجار بالبشر من النساء والأطفال، والخدمات التي تقدمها تلك المراكز للضحايا في الجوانب الصحية والنفسية والقانونية.

تلك هي الشفافية التي تعمل مؤسساتنا وهيئاتنا تحت مظلتها (وننشدها في العالم كله)، من أجل حياة كريمة للبشرية جمعاء، تعكس رؤى ثاقبة لقيادة أرست قواعد متينة لدولة عصرية، تؤمن بأهمية التواصل بين البشر والتعايش الإنساني بين الشعوب والحضارات، القائم على فضائل الخير والتسامح والاحترام المتبادل لحقوق الإنسان في مختلف دول العالم، الأمر الذي يعزز إنجازاتنا في مجال حقوق الإنسان، ويؤكد من دون أدنى شك أن لدى دولتنا سجلاً حافلاً ومتميزاً في هذا المجال بشهادة دولية وأممية.. وهذا وسام نفتخر أن نزين به صدورنا نحن أبناء الإمارات.

كاتبة إماراتية

moza@bmig.ae