«لا بد من تسييس فريضة الحج، وعم ترك هذا التجمع الإسلامي العالمي يقتصر فقط على أداء العبادة الدينية، من دون أن يتطرق إلى هموم الأمة الإسلامية». في الواقع هذا التصريح ورد على لسان المرشد الأعلى للثورة الإسلامية الإيرانية علي خامنئي الأسبوع الفائت. دعونا قليلاً نتوقف عند قراءة هذا التصريح ودوافعه ومغازيه.
يحمل هذا التصريح الكثير من الرسائل الضمنية، وفي الوقت نفسه الكثير من أوراق الضغط التي ما زالت إيران تملك دهاء اللعب بها وإخراجها في الأوقات المناسبة، فهذا التصريح جاء بعد اتهامات إيرانية للمملكة العربية السعودية بالضلوع في دعم الجماعات الدينية الإسلامية السنية في إيران بالتعاون مع باكستان، لا سيما الادعاء بدعم جماعة «جند الله» في عمليتهم الأخيرة في إيران، والتي استهدفت تجمعاً للحرس الثوري الإيراني وقوات الباسيج.
إيران بهذا التصريح إنما تؤكد على أن ورقة الحج ما زالت تحسن اللعب بها، ولعل في حادثة عام 1987 خير دليل على ذلك. فالكثير قرأ هذا التصريح على أساس أنه تحريض علني للحجاج الإيرانيين بشكل خاص والشيعة بشكل عام، للقيام بأعمال شغب في فترة أداء مناسك الحج المقبلة. ولم يتوقف الأمر عند هذا التصريح، بل تعداه إلى مطالبة إيرانية للسعودية بتقديم معاملة أفضل مما هي عليه اليوم لشيعة السعودية.
وهذا أمر خطير جداً، حيث إن إيران أصبحت تتدخل في الشأن الداخلي لدولة أخرى، محاولة شق الصف الوطني الداخلي واللعب على ورقة الطائفية، وكأنها تذكر الطرف الآخر بأنها هي قادرة كذلك على الوصول إلى أبناء الطائفة الشيعية، مثل ما أنتم قادرون على الوصول إلى أبناء الطائفة السنية في إيران.
هذه بالطبع رسالة خطيرة جداً تحملها إيران التي أصبح واضحا أنها تحاول التوغل في مناطق عديدة في العالم العربي، حيث توجد طائفة شيعية. ولعل المشكلة ليست في إيران، فهذا جزء من أيديولوجيتها الدينية والثورية في الوقت نفسه، فإيران دولة قائمة على أساس ديني، ولا يكاد أي محفل ديني في إيران يخلو من الشعارات السياسية التي تخدم النظام بما يحقق روح الولاء والانتماء له، وهذا بالطبع شأن كل الأنظمة التي تقوم على الفكر.
حيث إن مثل هذه الأنظمة تجعل من الأيديولوجيا (الأيديولوجيا الدينية في حالة التجربة الإيرانية) صمام الأمان لبقاء النظام وحمايته. ولعل وجود المرجعية الدينية الشيعية في قم وبروزها الأقوى اليوم على نظيرتها في النجف الأشرف، منح إيران قوة دينية أكبر على الشيعة في مختلف المناطق.
موضوع المرجعية بالنسبة للشيعة أمر مهم، وكانت النجف أكبر مركز علمي وديني للمذهب الشيعي لفترات طويلة، وذلك كونها إحدى «العتبات المقدسة» لضمها ضريح علي بن أبي طالب كرم الله وجه، ولكن بدأت في أوائل القرن الماضي مدينة قم الإيرانية تبرز على الساحة الشيعية كونها حوزة دينية خاصة، مع انتقال مراجع شيعية نجفية هامة كان لها الأثر الأبرز في إضفاء هذا الدور على مدينة قم، خاصة بعد التضييق الذي عانى منه النجف ومرجعياته الدينية من قبل حكام العراق.
وجود المرجعية الدينية في إيران اليوم يمنح إيران قوة مهمة، وعلى هذا الأساس أصبحت إيران تحارب ظهور كل مرجع قوي خارج التأثير الإيراني، لا سيما المراجع العربية كالسيد محمد حسين فضل الله، في حين تدعم كل من يدين لها بالولاء في العالم العربي.
الدول العربية بشكل عام والخليجية بشكل خاص،لا توجد لديها أي مشكلة مع شيعتها، بل على العكس تماماً فهم جزء مهم من نسيج المجتمع الوطني ومكون أصيل فيه، ولكن أكثر ما يزعج هذه الدولة هو قضية الولاء عند البعض لمرجعيات غير عربية، تحاول أطراف خارجية أن تستغلها للتدخل في الشؤون المحلية للدول العربية، وعلى حساب مصالحها وأمنها.
ولا شك أن الدول العربية لديها كثير من أوراق الضغط التي يمكنها أن تلعب بها في الأوقات المناسبة، حتى تقطع على الأطراف الأخرى حجة التدخل في شؤونها. وفي المقابل يجب على الدول العربية أن تتوسع في قاعدة المصالحة الداخلية مع جميع مكونات شعوبها، وأن توسع قاعدة المشاركة الشعبية، وتعمل في الوقت نفسه على ترسيخ سياسة التوازن والمساواة.
كاتبة إماراتية