في الأسبوع الماضي تحدثت عن عودة «نظرية الفراغ» لتسيطر على أجواء المنطقة.. تلك النظرية التي أطلقها الرئيس الأميركي الأسبق إيزنهاور في منتصف الخمسينات من القرن الماضي، ليبرر التدخل الأميركي في المنطقة وإقامة الأحلاف العسكرية لملء الفراغ في العالم العربي، ومنع أي مطامع من القطب السوفيتي.

وأشرت إلى المعركة المنتصرة التي خاضتها الأمة العربية ضد هذه النظرية، بقيادة جمال عبد الناصر، انطلاقاً من الإيمان بأن العرب وحدهم هم المؤهلون لحماية أنفسهم وبناء نهضتهم والسيطرة على مقدراتهم. ثم كيف انتهت هذه المرحلة في التاريخ العربي لنجد أنفسنا الآن في مرحلة أخرى، وصفتها بأن النظام العربي «يبدو فيها وكأنه قد أصبح مؤمنا بنظرية إيزنهاور في الفراغ، تاركاً كل من يستطيع مد نفوذه على الأرض العربية أن يفعل ما يشاء لتأمين مصالحه»!

بعد يومين فقط، كان رئيس الوزراء التركي طيب أردوغان يبدأ زيارته بالغة الأهمية لطهران، وكان الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد يستقبله بالحديث عن قدرة تركيا وإيران على إقامة «نظام إقليمي جديد»، وبالتأكيد على أن تعاون البلدين «يقلل حجم الفراغ» في المنطقة.

ولا شك أن التعاون بين البلدين الإسلاميين الكبيرين هو خطوة هامة لتأمين مصالحهما ولاستقرار المنطقة والتعامل مع التحديات الخطيرة التي تواجهها، ولكن السؤال سيبقي: وأين العرب من هذا «النظام الإقليمي الجديد» الذي تقيمه تركيا وإيران؟ وهل مكانهم هو نفس المكان من «النظام الإقليمي الجديد» الذي سبق أن بشرت به الإدارة الأميركية وهي تغزو العراق؟ وبعبارة أخري.. لماذا يغيب الحديث عن العرب كشريك كامل في أي نظام إقليمي مقترح؟

نسأل ولا تغيب عنا خطوات هامة اتخذتها تركيا في الفترة الأخيرة، ابتعاداً عن إسرائيل وإدانة لها، وانحيازاً للقضايا العربية، وانفتاحاً بالغ الأهمية على الأشقاء في سوريا. ونسأل ولا تغيب عنا خطوات إيرانية أكثر انفتاحاً على العالم، وجهود لم تتوقف في دعم المقاومة العربية للاحتلال الإسرائيلي. ونسأل ونحن ندرك أن الغياب مسؤوليتنا وليس مسؤولية الآخرين.

إن اللقاء التركي ـ الإيراني وما يفتحه من آفاق واسعة للتعاون بين الدولتين، يعكس بلا شك التوجه الجديد للسياسة التركية نحو الشرق، كما يعكس اتجاها نحو سياسة أكثر اعتدالا في طهران، ولكنه قبل ذلك يعكس سيادة الروح البراغماتية ولغة المصالح بين الطرفين.. وما أكثر المصالح بينهما، خاصة إذا كان الطرفان ينطلقان من أن هناك «فراغاً» في المنطقة هما المؤهلان للتعامل معه، وهناك نظام إقليمي مطلوب هما القادران على صياغته!

وبغض النظر عن الغياب العربي، فإن ما قيل عن هذا «النظام» وعن هذا «الفراغ»، يستدعي الوقوف عند عدة نقاط:

فمع التقدير الكامل للخطوات التركية الأخيرة ابتعاداً عن علاقتها «الاستراتيجية» السابقة مع إسرائيل، وانحيازاً للحق الفلسطيني، ودعما للروابط مع العالمين العربي والإسلامي، ومع الإدراك للتحفظات التي كانت لدى قادة الجيش التركي على مثل هذا التوجه.. فإن السؤال الأساسي هو: هل تمثل هذه الخطوات التركية ابتعاداً عن حلف الأطلسي أم امتداداً له؟ وهل تتصرف تركيا وقد رمت وراء ظهرها حلم الانضمام لأوربا.. أم تسعي لتعظيم الأوراق التي تملكها لتكون عوناً لها في تحقيق الحلم القديم؟

على الجانب الآخر.. هل تتصرف طهران وهي مقتنعة أنها مقدمة على صدام مع أميركا، تحاول التحسب له بعلاقات تساعدها على تقليل آثار الحصار وإبقاء أبواب التفاهم مفتوحة مع واشنطن عن طريق الأتراك.. ولو بعد حين؟

أم أنها تتصرف وهي تعرف أنها مقدمة على صفقة تتيح لها أن تترجم ما اكتسبته في الواقع، إلى اعتراف بمصالحها كقوة إقليمية كبيرة يهمها أن تتقاسم النفوذ مع تركيا، لتصبحا الركيزتين الأساسيتين للنظام الإقليمي الجديد الذي تحدث عنه الرئيس نجاد، منطلقاً في ذلك من حاجة أميركا للدور الإيراني لمساعدتها في تأمين الأوضاع في العراق، وفي ضرب العدو المشترك «طالبان» في أفغانستان، وفي تهدئة الأوضاع في المنطقة، ومدركاً أن واشنطن سبق أن منحت مثل هذا التفويض لطهران أيام الشاه، ويمكن أن تعيد التفاهم حوله إذا رأت أنه يحقق مصالحها في المنطقة؟!

هل يكفي في مواجهة ذلك أن تكون سوريا على علاقة طيبة بالطرفين الإيراني والتركي؟ وهل يمكن أن تكون هذه العلاقة (المطلوبة والضرورية) هي الكفيلة وحدها بحماية المصالح العربية؟ وهل هناك طريق إلا استعادة التحالف العربي الذي يضم مصر وسوريا ودول مجلس التعاون معا، ليكون النواة الصلبة لتجمع عربي هو القادر على «ملء الفراغ» في المنطقة وليكون الشريك الذي يتعاون معه جيرانه في إيران وتركيا لإقرار الأمن والاستقرار في المنطقة؟

المشكلة أن كل الأطراف العربية تعرف أن هذا هو الطريق.. وكل الأطراف العربية لا تفعل ما هو مطلوب لتحقيق ذلك. وأخشى ما أخشاه أن ما نستطيع القيام به الآن لإنقاذ الوضع العربي، لن يكون مسموحاً لنا القيام به، بعد أن ندفع الفواتير وبعد أن يتم توزيع الغنائم في المنطقة!

كاتب مصري

elsadattt@hotmail.com