الخلاف حول وضع كركوك، بات ينذر بتداعيات مجهولة العواقب. قانون الانتخابات بات انجازه مرهوناً بحلّ عقدة هذه المدينة. والموضوع ما عاد يحتمل المزيد من التأجيل؛ بحكم اقتراب موعد الاقتراع، الذي يقف على مسافة أقل من ثلاثة أشهر. وعلى التقيّد بهذا الموعد، يتوقف اكتمال الانسحاب العسكري الأميركي في الوقت المحدّد له؛ نهاية 2011. فالمسألة لها أبعاد وآثار هامة، تتعلق باستعادة البلد لسيادته واستكمال بناء مؤسساته.
ومع ذلك تتواصل المراوحة والدوران في الحلقة المفرغة إياها. فما هو على المحك أكبر من مصير مدينة؛ على أهمية ملفها. إنه يتصل بقضية أهم: العراق ووحدته الوطنية. الجدل بشأن كركوك طال، من دون أن يتقدّم خطوة. تعقيداته، معطوفة على ظروف العراق المعروفة؛ تعامل معها المعنيون، بترك الأمور على حالها؛ حتى إشعار آخر. ساهم ذلك في تكريس الواقع القائم. لا بل في تفاقمه. ومع الوقت صارت المواقف أكثر تشدّداً والتراجع أكثر صعوبة.
خصوصية المدينة والحساسيات الملازمة لها، معلومة ومفهومة. ضرورة أخذها بالاعتبار لتجاوز إشكالاتها وبالصيغة التي ترضي كافة مكوناتها الاجتماعية والسياسية، مطلب مشروع. وصحيح أنها عملية تحتاج إلى وقت وظروف ناضجة. لكن الاستحقاقات باتت ضاغطة. سياسة الترحيل، لها محاذيرها، ومن جملة ما تؤدي إليه، أنها تخلق سابقة، قد تكون معدية .
ثم أنها لا تكفل استمرار الأمور بصورة طبيعية، بقدر ما تبقى حالة سريعة العطب. المطروح، حتى الآن، أكثر من صيغة؛ لتجاوز هذه العقدة وبما يكفل إفساح المجال أمام كركوك لممارسة حقها الانتخابي؛ ولو بصيغة استثنائية، هذه المرة، توفر المخرج المرغوب وتكون في الوقت ذاته مدخلاً للبتّ النهائي في هذه القضية.
بذلك تبقى الانتخابات في موعدها. وهكذا، الانسحاب. البديل، حسب ما يتردّد، قد يكون تأجيل الانتخابات. وهذا خيار لا يخلو من المجازفة. فقد لا يضمن حلّ مسألة المدينة، إذا بقيت المقاربات على حالها. وقد يؤدي إلى المزيد من التأزم وبالتالي إلى عودة لدوّامة العنف. فضلاً عن أنه ينطوي على تمديد مرجّح وربما مفتوح، لقوات الاحتلال. وليس في ذلك ما يخدم مصلحة العراق. أكثر ما يحتاجه العراق، في لحظته الراهنة، هو استكمال عمليته السياسية.
الانتخابات القريبة، مفتاح رئيسي في هذا الخصوص. إجراؤها كاملة وفي موعدها، من شأنه تعزيز هذه المسيرة. لتحقيق ذلك، لا بدّ من التغلب على عقدة كركوك وعدم تركها حجر عثرة. عاجلاً أم آجلاً، على العراقيين التصدّي لها. ولادة حلّها الحقيقي، لن تحصل إلاّ على أيديهم، هم أصحابها وأصحاب المصلحة في تجاوزها.. وخير البرّ عاجله.
