ظهرت في الفترة الأخيرة عدة محطات فضائية أجنبية ناطقة باللغة العربية، وكثرتها وتنوعها يجعلان الإنسان يتساءل عن أهداف هذه الفضائيات؟ من الصعب معرفة هدف كل فضائية منها، ولكن ظهورها بهذه العدد وهذه النوعية من البرامج تدفعنا لمناقشة هذا الموضوع.
وبصورة عامة يمكن القول إن هناك أهدافاً اقتصادية تسعى لها بعض الدول أو بعض الفعاليات الاقتصادية في تلك الدول، وأن العالم العربي يمتلك إمكانيات اقتصادية كبيرة يريد أولئك الاستفادة منها، سواء بالاستثمار أو ترويج مصنوعاتهم، كون العالم العربي يشكل سوقاً استهلاكياً هاماً.
وليس بعيداً أن لبعض الدول أهدافاً سياسية تريد تحقيقها عن طريق البث الفضائي باللغة العربية، ولكل منها أجندتها في هذا المجال، وقد لا تكون بعض تلك الفضائيات تابعة لدول بعينها، وعلاقتها بدولها غير مباشرة حتى لا يحسب ما تقوله من مواقف على تلك الدول. وربما يرى البعض أن من أهداف تلك الفضائيات قضية التعريف ببلدانها وثقافتها، ولحوار الثقافات لا صراعها.
كما أنه يمكن القول إن من أهدافها الترويج السياحي في عصر أصبحت السياحة مورداً مهماً في اقتصاديات عدد كبير من الدول.
وعلينا أن نسمع ونرى ونحلل ما وراء الخطاب الذي تقدمه، لمعرفة الأهداف التي ترمي إليها، بعيداً طبعاً عن نظرية المؤامرة، ولكن استبعاد نظرية المؤامرة لا يعني عدم وجودها. ولنستعرض أسماء تلك الفضائيات الأجنبية الناطقة باللغة العربية، لعل طبيعة علاقة دولها بالعالم العربي تفسر بعض أهدافها.
المحطات الأجنبية الناطقة بالعربية هي: البريطانية، «الحرة» الأميركية، «العالم» الإيرانية، «24» الفرنسية، الروسية، الألمانية، الكورية وغيرها.. وهذه جميعها بدأت بثها خلال السنوات القليلة الماضية من هذا العقد.
أما مدى صدقيتها، فإن بعضها يحاول الطرح الموضوعي، وواضح أن لها رسالة تريد توصيلها، وخطاباً يشكل توجهها أو دفاعاً عن سياسات ومواقف دولها أو القوى التي أنشأتها وتنفق بسخاء عليها.
ونحن كمشاهدين نختلف في مستوى تعليمنا وثقافتنا، قد يتأثر الكثيرون منا بما تطرحه هذه الفضائيات في عصر أصبح الإعلام فيه مؤثراً جداً، وخاصة البث الفضائي الذي يحاصرنا على مدى ساعات النهار والليل. صحيح أن معظم البرامج سطحية ومكررة، ولكن علينا أن ننتبه ونتأمل ما تطرحه بعض تلك الفضائيات الأجنبية، ودعك من العبث الذي يبثه العديد من الفضائيات العربية.
وفي مقالة كهذه ليس فيها متسع لطرح برامج بعينها تبثها هذه المحطات ونقدها، يهمنا أن نلفت النظر إلى هذه الظاهرة التي انتشرت في أيامنا.
إن مستوى الوعي والثقافة لدى الكثير من المشاهدين العرب كفيل بمعرفة مدى مصداقية ما تعرضه تلك الفضائيات، ومن ثم معرفة أهدافها، لكن بدون شك هناك آخرون يعانون قصوراً ثقافياً يمكن أن يتأثروا بما تقدمه تلك الفضائيات، سلبياً كان أم إيجابياً، بطريق مباشر أو غير مباشر.
إن وجود وانتشار تلك الفضائيات الأجنبية الناطقة بالعربية ليس صدفة أو عشوائياً، بل مخطط له ومدروس، لكن المهم كيف يتعامل المشاهد المتلقي مع ما تقدمه تلك الفضائيات وما مدى الفائدة أو الضرر مما تقدمه على مدار الساعة؟
يبقى السؤال لماذا ليست هناك محطات فضائية عربية باللغات الأجنبية؟ في الحقيقة هناك بعض تلك المحطات، ولكن عددها لا يزيد عن عدد أصابع اليد الواحدة، وهي بلغة أجنبية واحدة، وتكرار لما يقدمه بعض الفضائيات العربية، فقط مع تغيير اللغة.
إن السياسة الإعلامية جزء من استراتيجيات الدول، ولما لم تكن لدينا استراتيجية في العالم العربي، فإنه من الطبيعي أن لا تكون لدينا سياسة إعلامية سليمة تستطيع توصيل رأينا في قضايانا أولاً، ومن ثم رأينا في قضايا العالم من حولنا. نحن العرب أحوج من غيرنا لكسب الرأي العام العالمي حول قضايانا الأساسية وحقوقنا الإنسانية كبشر في هذا العالم، ولكن المشكلة أن معظم وسائل إعلامنا رسمية، وغير الرسمية في إطار السياسية الرسمية!
ولا نذكر أن بعض الفضائيات الأجنبية التي تبث باللغة العربية لديها نفس المشكلة، لكن معظمها في دول متقدمة وديمقراطية ومصداقيتها أكثر من غيرها، بيد أن ذلك لا يعني أننا محصنون ضد تأثيرها سياسياً وثقافياً.
إن العالم اليوم يعيش عصر العولمة، فلم تعد قضايا العالم لا تهمنا أو قضايانا لا تهم الآخرين، ومعرفة ثقافة الآخرين وكيفية تعاملهم مع الأحداث وخاصة العالم المتقدم، تفيد البلدان النامية مثل دولنا العربية.
لدى العرب مشكلات خاصة بهم وأخرى مع جيرانهم، وكذلك مع دول أخرى في العالم لا بد من التعامل العقلي والموضوعي معها، ومن الضروري أن يكون لنا خطاب واضح ورؤية واضحة تجاهها، ومن ثم نختار الوسيلة لإيصالها إلى شعوبنا وإلى الآخرين، والفضائيات اليوم تلعب دوراً مهماً في ذلك. وبناء عليه، علينا أن نفعل ما يفعله الآخرون في الفضائيات الأجنبية باللغة العربية.
وإذا كنا نوجه النقد لمثل هذه الفضائيات الأجنبية الناطقة باللغة العربية فماذا عن الفضائيات العربية؟
إن هناك عدداً كبيراً من الفضائيات العربية، الرسمية والخاصة، تعتبر أدوات للفساد والتخلف، ويعتقد البعض خطأ أن وجود هذه الفضائيات وازدياد عددها ظاهرة صحية، ولكن ماذا تقدم مثل هذه الفضائيات للمشاهد ثقافياً وإعلامياً؟
بدون شك هي تفسد فكره وذوقه ماعدا عدد قليل منها. وعند المقارنة فإن معظم الفضائيات الأجنبية بلغاتها أو بالعربية أفضل من كثير من الفضائيات العربية التي تلعب دوراً أساسياً في التلوث الثقافي لدينا.
كاتب كويتي