تتجه تركيا في حركتها إلى الشرق والجنوب، وتشهد سياساتها الخارجية انفتاحاً غير مسبوق على جيرانها العرب والمسلمين. فهي فجأة ومن غير سابق إنذار تعلق مشاركة إسرائيل المعتادة في مناورات «نسر الأناضول»، وتخلق إرباكا جديا لخطط ضباط أركان طيران سلاح الجو الإسرائيلي والذي يضيق بحركته الفضاء الملاحي للدولة العبرية محدودة المساحة.
ومن قبل كان الأتراك قد رفضوا السماح للولايات المتحدة باستخدام قاعدة أنجرليك التركية لضرب العراق، بل رفض البرلمان التركي أصلاً استخدام أرضهم منطلقا لغزو العراق من شماله، مثلما هو الحال حينما رفضوا لاحقا العدوان على غزة..
تركيا تحتفل برفع التأشيرات بشكل متبادل بينها وبين جارتها القريبة سوريا، ويزور رئيس حكومتها رجب طيب أردوغان العراق مرتين في عام واحد، ويجول في هذه الأيام على طهران وباكستان وعواصم أخرى، وهي تنفتح على العرب بشكل غير معهود مع تعاظم دورها الملحوظ في أفغانستان.
وحضور لافت في المشهد الإيراني وملفها الشائك مع أميركا والدول الغربية، وتنامي حجم علاقاتها الاقتصادية وازدياد حجم صادراتها بشكل مطرد إلى العالم العربي والإسلامي، وغير ذلك الكثير من مؤشرات تسارع وتيرة حركة السياسة الخارجية النشطة للأتراك في فضائهم الجنوبي والشرقي.
وهنا يجوز لنا أن نسأل هل تركيا أردوغان الحاضر قد انقلبت على أتاتورك الماضي؟ وهل حقاً أنهم غيروا من ركائز الاستراتيجية أم أريد لهم أن يتغيروا؟
وهل تركيا تقوم بوظيفة جديدة في ظل استراتيجية أميركية قديمة للمنطقة من أجل إحداث تغييرات جوهرية في المناخ السياسي العام لبلداننا، بمعنى السعي الحثيث إلى انتهاج سياسات من شأنها جذب إيران المنشغلة بمشروعها النووي وسياساتها القلقة في المنطقة، إلى أروقة المفاوضات والتسويات لملفاتها العديدة وتعطيل برنامجها النووي المثير للجدل، ومن ثم العمل بعد ذلك على احتواء سوريا وفك أو محاولة إضعاف تحالفها المزمن مع إيران المناوئة للغرب، أو بالأحرى إيران المستفيدة من سياسات أميركية وغربية فاشلة في المنطقة؟
أم يأتي هذا الاندفاع التركي الكاسح ضمن إطار استراتيجية غربية مبرمجة من أجل احتواء الإسلام السلفي ونزع صواعقه الجهادية، بغية تقديم نموذج تركي علماني لإسلام معتدل يغري بعزل التيارات المتطرفة الصاعدة في المنطقة؟
ومن هنا تجد أن تركيا حاضرة بقوة في العراق ودول عربية عديدة، وهي تتأهب بعد شهور لقيادة قوات حلف الأطلسي العاملة في أفغانستان، هذا البلد المفجوع بالحروب والدمار، وهي كذلك حاضرة في فلسطين وحتى الصومال، فإذن تركيا صارت في كل مكان.. فما الذي يجري وماذا يريد أحفاد بني عثمان؟
إن المراقب والمحلل السياسي المتابع لتطور سرعة اندفاع السياسة التركية في الإقليم، يستطيع أن يفهم ببساطة ووضوح أن تركيا لم تتغير في الجوهر، إنما هي تسعى جاهدة إلى انتهاج سياسات براغماتية مغلفة بشحنة من العواطف، من أجل إنتاج دور جديد لها يكون هذه المرة عبر بوابة العرب، يسلك إلى كل الاتجاهات، مستفيدة من موقعها وإرثها الإسلامي ورصيدها العلماني.
فتركيا كمال أتاتورك انحازت في أول عهدها إلى الاختيار الأوروبي في بداية القرن المنصرم، سعياً وراء أحلام اللحاق بالنهضة الأوروبية واقتداء بالنموذج الأوروبي في التطور، وانعتاقاً سريعا من ماضي مخلفاتها العثمانية الطويل، إلا أنها أدركت، وبعد ما يزيد على التسعين عاماً من اللهاث وراء سراب بعيد، استحالة الظفر بعضوية النادي الأوروبي فارتدت إلى محيطها العربي والإسلامي الذي تجاهلته طويلا.
ومثلما كان يصفها الكثيرون في تلك الحقبة من الزمن الطويل بأنها بسياستها المتهافتة طمعاً في الانضمام إلى أوروبا قد أضاعت المشيتين، فلا هي أدركت أوروبا ولا كسبت العرب.
ولذلك فإن زعماء حزب العدالة والتنمية الإسلامي نصف العلماني، أدركوا مؤخرا الحقيقة الصادمة، وهي أن قطار الشمال قد غادرهم من غير رجعة، وأن قطار الشرق صار لزاما عليهم أن يحجزوا لهم مقعدا في آخر قاطرة له، قبل أن يخفيه عنهم الزمن وتحولات الإقليم المتلاحقة، وما دام المشروع الأطلسي والغربي في حاجة إليهم.
تركيا الدولة في عهد «العثمانيين الجدد» أرادت أن تخرج سريعا من قيود الجغرافيا التي استكانت لها عقودا طويلة من الزمن، وأن تعود سريعا إلى التاريخ لتقرأ في كتاب المستقبل.
فالحقيقة المؤلمة أن الكل يدرك حق الدول في تعزيز مصالحها على أساس الندية وتكافؤ الفرص، لكن غياب الدور العربي يسهل أمام تركيا وغيرها هذه الاندفاعة في عالم السياسة والمصالح، ومحاولة ملء الفراغ الموجود.
إن انتزاع المكانة وممارسة الدور تحت شمس العالم الفسيح اليوم، يتطلب من البلدان العربية أن ترسم لها سياسات الحد الأدنى في الحركة السريعة والعمل المثابر وسط متغيرات عديدة يشهدها كوكبنا، وتوظيف المزايا وعناصر القوة لكي يكون لنا على الأقل موطئ قدم على ساحة الإقليم والعالم.
كاتب عراقي