أذهلت النرويج العالم بمنح الرئيس الأميركي باراك أوباما جائزة نوبل للسلام، وهو الذي لم يكن قد أمضى في منصبه إلا أسبوعين لدى ترشيحه للجائزة. ولكن الجائزة تتسق مع سلوك الأوروبيين خلال الشهور التسعة الأولى من رئاسة أوباما، حيث فتنوا به، غير أنه في المقابل لا يمكن القول: إن هذا الاندفاع كان متبادلا. لقد بذل أوباما قصارى جهده لتجنب رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون في قمة العشرين الأخيرة، ولا تزال صحف الإثارة البريطانية تبدي انزعاجها من الهدايا سقيمة الذوق التي قدمها أوباما ببرود إلى رئيس الوزراء البريطاني، عندما زار واشنطن في وقت سابق من العام الحالي.
ويبدو أن الرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي، الذي كانت الصحافة العالمية تنظر إليه على أنه أقرب إلى مغن للروك، قبل أن يحل أوباما محله في استقطاب اهتمامها.. يبدو مصابا بالانفصام في موقفه من الرئيس الأميركي، فهو يتودد إليه حينا، ويضيق به ذرعا حينا آخر. والصحافة هناك تطلق على هذه الأعراض عند ساركوزي اسم «عقدة أوباما».
وفي الأمم المتحدة، استبد الإحباط الشديد بساركوزي حيال خطاب أوباما المحلق عاليا والأجوف في الوقت نفسه، إلى حد أنه مضى أخيرا يدمدم حول إيران وكوريا الشمالية: «الرئيس أوباما يحلم بعالم يخلو من السلاح، ولكن أمامنا مباشرة تقوم هاتان الدولتان بما هو نقيض ذلك».
وفي بعض الأحيان يمضي هذا الضيق الأوروبي إلى ما هو أعمق من الحب غير المتبادل. فقد وعد أوباما الروس بأنه لن يقوم بنشر نظام الصواريخ المخطط له في جمهورية التشيك وبولندا. وسواء أكان ذلك مقصودا أم لم يكن، فإن ذلك القرار قد نظر إليه باعتباره لطمة، وأخاف الكثيرين في أوروبا الشرقية، في ضوء تاريخهم الطويل والتعس مع روسيا.
وفي وقت سابق من العام الحالي أجرى أوباما محادثات تمهيدية حماسية مع حلفائنا في حلف «الناتو»، حيث أهاب بهم إرسال المزيد من القوات إلى أفغانستان، ثم عاد بعد ذلك ليراوح محله طويلا إزاء المسألة نفسها، عندما جاء عليه الدور ليتخذ قرارا في هذا الشأن.
وقد قيل إن أوروبا كانت تكره جورج بوش، ولكن في فترة رئاسته الثانية كان بمقدور الحكومات الصديقة في بريطانيا، فرنسا، ألمانيا وإيطاليا، أن تعتمد على الدعم الأميركي في أي أزمة قد تهدد الاتحاد الأوروبي الغني، وإن كان مجردا من الدفاعات. أما الآن وفي ضوء عدم وضوح اهتمامات أوباما، فإن هذه الدول، شأن العشاق المراهقين المنبوذين، تعرب عن قلقها بصورة عصابية. وفي بعض الأحيان فإن أوروبا يستبد بها الضيق، وتبادر لإظهار لامبالاتها. وقد طار أوباما إلى كوبنهاغن ليمضي هناك ساعة، وعلى الرغم من أنه اعتقد أن بمقدوره اجتذاب الأوروبيين المفتونين الذين يهيمنون على اللجنة الأولمبية الدولية لكي يمنحوا شيكاغو شرف إقامة أولمبياد 2016 على أرضها، ثم الانطلاق إلى طائرته للعودة إلى واشنطن، غير أنه علم وهو في طريق عودته أن طلب شيكاغو قد رفض.
وفي أوقات أخرى، كما في حالة جائزة نوبل للسلام، فإن أوروبا المنفعلة واليائسة تعطيه أي شيء تقريبا لتكسب حبه واهتمامه. وبعد أن منحه النرويجيون الجائزة فإنهم يتحدثون عن «الرؤية» و«الأمل»، وليس عن الانجاز الحقيقي كأساس لقرارهم. ربما كان هذا البلد الصغير يأمل في أنه إذا منح أوباما جائزة عن النزعة السلمية الطوباوية، فإنه سيضطر يقينا للتصرف كما لو كان أوروبيا مسالما، وليس كقائد عام لجيش أقوى دولة في التاريخ.
وهنا عدة أمور تتفاعل.. فأميركا تتغير، والملايين من الأميركيين يردون أصولهم الآن ليس إلى أوروبا، وإنما إلى إفريقيا أو آسيا أو أميركا اللاتينية. وعلى امتداد جيل فإن المدارس قد أكدت اعتماد كل أنواع المساقات الدراسية العرقية غير الأوروبية، بدلا من المساقات القديمة التي تقوم على أساس الحضارة الغربية، ويعكس أوباما بأصوله الإسلامية والكينية ذلك الاتجاه. وعلى سبيل المثال فإن من أول الأمور التي قام بها أوباما بعد توليه الرئاسة، إزالة تمثال ونستون تشرشل من المكتب البيضاوي وإعادته إلى البيت الأبيض.
وتعد الصين والهند واليابان مجتمعا أكبر من أوروبا أيضا، وربما تصبح ذات يوم أغنى منها. وأميركا مدينة بمعظم ديونها لدول غير أوروبية، وتشتري معظم طاقتها من دول غير أوروبية أيضا. ويبدو أنها ترسل معظم جنودها بصورة متزايدة إلى مناطق بعيدة عن أوروبا. ويعكس نأي أوباما عن أوروبا الحقائق الجغرافية والسياسية الجديدة.
ويطرح أوباما نفسه على أنه متعدد الثقافات، ويذعن للأمم المتحدة وينتقد تحالفات الحرب الباردة المتحجرة. وإذا استندنا إلى أقواله وأفعاله، فإنه ينظر إلى حماية أميركا التقليدية لأوروبا الحليفة والمجردة من الدفاعات، على أنها شيء ينتمي إلى الماضي.
فتشبثي بموضعك يا أوروبا، وتوقفي عن كل الانفعالات العاطفية السخيفة وإرسال الهدايا الفاخرة، فكما ترين لم تعد أميركا اليوم هي أميركا الأمس بالنسبة لك.
أستاذ الدراسات الكلاسيكية والتاريخية في جامعة ستانفورد
