تقوم الوزيرة كلينتون بزيارة أخرى إلى المنطقة، وسط معطيات لا تبشر بغير المراوحة؛ بخصوص عملية السلام. هذا في أحسن الأحوال. وكان قد سبقها المبعوث الخاص ميتشل، من أجل «التمهيد» لجولتها؛ حسب مصادر الإدارة. وليس واضحاً ما هو المقصود بهذه العبارة؛ طالما أن الملف معروفة تفاصيله وتعقيداته، وبالتالي مكامن العرقلة والتخريب، والمطلوب كسر حلقاتها.
فإذا كانت الوزيرة ترمي من زيارتها العمل على تحصيل تنازلات بزعم قطع الطريق على ذرائع نتانياهو؛ فإن محاولتها محكومة سلفاً بنهاية من نوع نسخة طبق الأصل عن سابقاتها. من جهة، ليس هناك لدى الجانب الفلسطيني ما بقي لتقديمه. ومن جهة ثانية، فإن زعيم الليكود مخادع محترف، لا ينضب مخزونه من الشروط والتعجيزات والتحايلات.
العقدة في عصيانه. حقيقة تعرفها واشنطن ويعرفها العالم أجمع. هنا المشكلة ومن هنا تبدأ الحلحلة.
خارج هذه المعادلة، يبقى كل شيء مجرد تخدير وحرق وقت؛ لا أكثر ولا أقل. البيانات والتصريحات التي سبقت الوزيرة، تضع الزيارة في إطار البحث في «الجهود المبذولة لإحياء عملية السلام». واقع الحال أن مثل هذه الجهود رماها نتانياهو في زنزانة مقفلة ووضع المفتاح في جيبه؛ منذ البداية. المبعوث الخاص، ميتشل، يكاد يصبح مقيماً في المنطقة.
محاولاته لم تقو حتى اللحظة، على زحزحة إسرائيل بمقدار شعرة في أبسط المطلوب منها، والمتعلق بوقف التوسع في الاستيطان. ولا حتى الرئيس أوباما ووزيرته، من خلال لقاءاتهما المتكررة مع رئيس الحكومة الإسرائيلية، تمكنا من حمله على القيام بهذه الخطوة الأولية.
ليس لأن حكومة الليكودي في موقع قوة، بل لأن واشنطن اختارت أن تترك الحبل على غاربه للتعنت الإسرائيلي. نتانياهو رفض وإدارة أوباما ابتلعت رفضه. هو أعلن العصيان، وهي تغاضت عن عصيانه.
النتيجة كانت عدوانية منفلتة من عقالها: هدم المنازل يجري بالجملة. حوالي ثلاثة آلاف أمر هدم في طريقها إلى التنفيذ.. سرقة المياه على مداها، مع حرمانها بصورة متزايدة عن المناطق الفلسطينية.
كذلك تجريف الأراضي لمصادرتها، وما يقوم به المستوطنون من قطع لأشجار الزيتون قبل قطاف مواسمها، وبحراسة قوات الاحتلال؛ فضلاً عن عملية التهويد الجارية في القدس والتهديد المستمر باقتحام الحرم القدسي.
إذا كانت الإدارة الأميركية غير مطلعة على هذه القائمة الطويلة من التعديات الفاقعة، فتلك مصيبة، وإذا كانت على علم بها فالمصيبة أعظم. وتعظم زيادة، إذا كانت الوزيرة تريد فعلاً البحث، خلال زيارتها، في «إحياء» العملية؛ من دون أن تكون واشنطن عازمة على إزاحة العائق الوحيد المعروف عنوانه من طريق هذا التحريك المزعوم.
