ما يثير الاستغراب حقاً أنه وفي الوقت الذي كان من المؤمل أن تتجه أحزاب اللقاء المشترك إلى إصلاح أوضاعها وتجاوز المثالب، والسلبيات التي رافقت أداءها والاتجاه نحو المشاركة الفاعلة في بناء الوطن والنهوض بمسيرته التنموية والديمقراطية باعتبار المعارضة رديفاً للسلطة والوجه الآخر لها في تحمل المسئوليات الوطنية، إلا أنه وبدلاً من كل ذلك نجد هذه الأحزاب تصر على تكرار أخطائها التي كانت سبباًَ مباشراً في انحسارها وضمورها وابتعاد الناس عنها وكأنها قد أدمنت هذا المسلك القائم على الأذيات والذي لا ينجم عنه سوى الضرر البالغ عليها وعلى الوطن والمجتمع.

ولا ندري أي فائدة تجنيها هذه الأحزاب من وراء إمعانها وراء ذلك المسلك الخاطئ الذي يزداد حدة كلما دعيت قياداتها إلى تغليب العقل والمنطق والرشد والصواب دون أن تدرك هذه القيادات أنها بهذه المكابرة والإيغال في السير عكس التيار والتمادي في الأخطاء إنما تدفع بأحزابها إلى المزيد من العزلة والتقوقع إذ لم يعد بوسعها تضليل الناس الذين صاروا على وعي كافٍ بحقائق الأمور وليس بمقدورها لا هي ولا غيرها التشويش عليهم بالعبارات المخادعة والبيانات المتشنجة والخطب المأزومة والرؤى الضريرة والتلفيقات المشحونة بالأكاذيب والزيف الصارخ، كما هو الحال في البيان الأخير الصادر عن أحزاب اللقاء المشترك الذي حمل الكثير من المغالطات التي برهنت على أن من يقودون هذه الأحزاب لا يجيدون سوى الدس الرخيص والتجني على الوطن، وقلب الحقائق على نحو مسيء وباهت كوصفهم بذلك البيان اليمن بالدولة البوليسية رغم علمهم وعلم غيرهم أن هذا التقول الكذوب الذي يطفح بالقبح والزيف هو من يدل على أن قيادات هذه الأحزاب قد انغمست في البهتان والزور حتى الأذقان، إذ كيف لمن يتحدث أمام وسائل الإعلام والفضائيات بتلك الجراءة وذلك الأسلوب المستفز والمؤذي أي يصف اليمن بأنها دولة بوليسية مع أنها لو كانت كذلك لكان هؤلاء يقبعون في السجون والمعتقلات لا أن يتصدرون منصات الخطب لإطلاق أراجيفهم وافتراءاتهم دون أن يعترضهم أحد.

والمؤسف أن قيادات أحزاب اللقاء المشترك والتي تركت مهامها الحقيقية وتحولت إلى أفواه تنفث بالسموم لم تعد تجد وسيلة للتغطية على عجزها وفشلها في إدارة شئون أحزابها سوى إطلاق مثل تلك الفبركات المدموغة بطابع العدوانية والفجاجة والتغابي البليد.

وحتى لا نذهب بعيداً فإننا نتساءل عن من يعبث بالديمقراطية ويسعى إلى إعاقة خطواتها وتطورها.. أليست هذه القيادات الحزبية المعروفة بانتهازيتها وفكرها الشمولي والتي انتقلت من ممارسة التسلط على أحزابها إلى التسلط على الديمقراطية والتآمر على الوطن من خلال التماهي مع العناصر الضالة والمنحرفة والخارجة على النظام والقانون في بعض مديريات محافظة صعدة التي تحلم بإعادة الوطن إلى عهود الإمامة الكهنوتية البائدة، وكذا مع الشرذمة الانفصالية من الخونة والمتآمرين والعملاء والمأجورين الذين يسعون إلى إعادة تمزيق الوطن ووحدته التي خلصت أبناء شعبه من عوامل القهر والإذلال التي عانى منها إبان العهد الشمولي.

وكيف لأحد أن يصدق تباكي قيادات هذه الأحزاب على الديمقراطية والجميع على بينة تامة من أنها من تقوم بزرع الأشواك في طريق هذه العملية الحضارية بافتعالها للأزمات وإشعال الحرائق والتحريض على العنف والفوضى.

ويكفي أنها من تربط حق المشاركة في أية انتخابات أو حوار بتقديراتها وتصوراتها الخاصة، لكونها من تنظر إلى الديمقراطية وحرية الرأي من زاوية أنها وحدها صاحبة الحق وأنه لا واجب يلزمها تجاه الآخرين وتجاه الوطن.

وليس هذا وحسب بل أنها من تتعمد اختلاق الزوابع بهدف تسميم الحياة السياسية وإفساد أي تقارب أو توافق يعزز من التطور الديمقراطي والعمل السياسي والحزبي الأمر الذي يقود إلى الاستنتاج من أن هذه الأحزاب تريد ديمقراطية مفصلة على مقاسها، ديمقراطية يكون فيها الحق الأول لهذه الأحزاب وليس لإرادة الجماهير والأسوأ من كل ذلك أن قيادات هذه الأحزاب هي من تتجاهل مع سبق الإصرار أن الديمقراطية القائمة على التعددية الحزبية والسياسية والتداول السلمي للسلطة وحرية الرأي والتعبير وحقوق الإنسان تستند إلى مرجعيات دستورية وقانونية وقيمية وأخلاقية وتتطور أساليبها بالحوارات الناضجة والممارسات السلمية والانتخابات الحرة والنزيهة والتسليم بإرادة الجماهير في صناديق الاقتراع وليس من بين تلك المرجعيات الأساليب التكتيكية التي يبتكرها المغامرون والمتطفلون على الديمقراطية الذين يضعون أنفسهم وأحزابهم فوق الدستور والقانون والمؤسسات الشرعية.

كما أن قيادات هذه الأحزاب تتجاهل بقصد مريب أن الديمقراطية عملية محكومة بمجموعة من المعايير ولا يمكن إخضاعها للرغبات والمزايدات التي تتخذ من الحق مدخلاً لتبرير الباطل، ولا ندري متى يفهم هؤلاء أن الديمقراطية ليست صراخاً وعويلاً وزيفاً وكيداً ومكراً وإنما هي فكر حضاري يجسده السلوك السوي والممارسة الواعية.

ومن يريد أن يكون ديمقراطياً عليه أولاً أن يكون القدوة في احترام الثوابت الوطنية وإرادة الشعب، وأن لا يجعل من مصالحه الذاتية والشخصية والأنانية تقوده إلى التصادم مع المصالح الوطنية العليا، وعلى أحزاب المشترك وقياداتها أن تستوعب جيداً أن لا مجال للخروج عن الثوابت الوطنية التي أجمع عليها الشعب، وأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال وتحت أي ظرف من الظروف ولأي سبب من الأسباب السماح لأي كان بالقفز على هذه الثوابت على شاكلة أولئك الأقزام من دعاة الكهنوتية الإمامية والمشاريع الانفصالية المهترئة الذين يتساقطون كالخفافيش تحت أقدام أبناء الشعب اليمني الذين تصدوا لهم وعاهدوا الله على تلقينهم دروساً لن ينسوها ليكونوا عبرة لمن تسول له نفسه العبث بأمن واستقرار الوطن ومكاسبه.

لقد حصحص الحق وعلى تلك الأحزاب أن تختار إما التصالح مع الديمقراطية والامتثال لأخلاقياتها وإما السقوط المريع الذي سيفضي بها إلى خارج التاريخ.