ليس من المبالغة في شيء القول إن العراق الشقيق يمر بالفعل بفترة دقيقة، وظروف بالغة الدقة من شأنها التأثير إلى حد بعيد على حاضر العراق دولة ومجتمعا، وعلى مستقبله ايضا.
فعلى امتداد الأشهر الاخيرة، وخاصة منذ اواخر العام الماضي واوائل هذا العام شهدت الساحة العراقية هدوءا ملموسا على صعيد اعمال العنف والمواجهات المسلحة، وهو ما شجع، بل وساهم في التوصل إلى الاتفاقية الامنية بين العراق الشقيق والولايات المتحدة في اواخر العام الماضي، وهي الاتفاقية التي اعلن الرئيس الامريكي في اطارها عن نيته سحب القوات الامريكية من العراق بحلول منتصف العام القادم، بل إن خطوات عملية لسحب القوات الامريكية من العديد من المدن والبلدات العراقية جرت بالفعل، وتسلمت السلطات العراقية مهام حفظ الأمن في اكثر من محافظة ومنطقة عراقية.
وبالرغم من تفاؤل كثير من أبناء الشعب العراقي الشقيق بإمكانية الخروج من دائرة العنف الجهنمية التي أحرقت الكثيرين من ابناء العراق ومن موارده الاقتصادية والمادية، وهو ما عبر عن نفسه في الكثير من الجوانب وحتى التطورات السياسية داخل العراق، الا ان الأشهر القليلة الماضية شهدت عودة واضحة ومزعجة ايضا لاعمال العنف، وخاصة للعمليات الانتحارية واستهداف المدنيين الابرياء ومقار السلطة والوزارات العراقية، وهو امر لا يمكن أن يكون محض مصادفة، لا في توقيته، ولا في اساليبه التي يتم بها نشر العنف والشعور بالخوف والتهديد مرة اخرى في العاصمة العراقية وفي مناطق عراقية اخرى. ولعل السؤال الذي يفرض نفسه على الكثيرين، داخل العراق وخارجه، هو لماذا عادت أعمال العنف، وبهذا الاتساع وتلك الهمجية مرة اخرى وفي اكثر من منطقة عراقية؟
جدير بالذكر ان فترة الهدوء وانحسار اعمال العنف في الأشهر الماضية صاحبها نشاط عراقي ملموس لاعادة عجلة السياسة العراقية إلى الدوران مرة اخرى، وذلك من خلال الاستعداد للانتخابات القادمة، ومن خلال اعادة تشكيل التحالفات السياسية بين القوى العراقية، ومن خلال تركيز الجهود والخطط والدفع بها نحو إعادة الاعمار واعادة بناء العراق والسير نحو استثمار موارده النفطية الهائلة، وهو ما تم بالفعل عبر الاتفاقيات التي تم التوصل اليها مع اكثر من شركة نفط عالمية. ولان العراق دولة كبيرة ومؤثرة في محيطها، فان عودتها إلى الساحة السياسية واستعادتها لبعض قدراتها يمكن أن يزعج من يهمهم الابقاء على الوضع الراهن في العراق وقطع الطريق امام فرص نهوضه مرة اخرى.
من جانب آخر فان استعادة العراق لعافيته ودخوله مرحلة جديدة من حياته وتضميد جراحه، من شأنه ان يمكنه من تنظيف ساحته من كل عوامل ومحاولات التأثير فيه او التلاعب بمقدراته، بما في ذلك التخلص من الجماعات الارهابية التي سعت جاهدة إلى تحويله إلى ساحة مواجهة مع الولايات المتحدة بشكل او بآخر، هذا فضلا عن ان عراق افضل يعني قدرة اكبر على اعادة صياغته لعلاقاته مع الدول الشقيقة والصديقة المجاورة له، إلى جانب ان ذلك سيؤدي في النهاية إلى تقلص الوجود الامريكي في العراق، وهناك من يهمهم استمرار استنزاف القوات الامريكية في العراق بشكل او بآخر، ولاغراض شتى كذلك.
لهذه الاسباب كلها، وغيرها ايضا، عادت عمليات التفجير والعمليات الانتحارية التي تستهدف رموزا عراقية، وتأخذ في طريقها مئات الابرياء من قتلى وجرحى دون ذنب. ولذا فانه من الاهمية بمكان ان تسعى كل القوى العراقية المخلصة إلى العمل بجد لمحاولة وضع حد لذلك، او على الأقل تضييق الخناق على كل الاطراف والقوى المعادية للعراق والتي تستهدف الابقاء على العنف واهتزاز الأمن فيه. كما انه من المهم والضروري ان يمد العرب، كل العرب، اياديهم إلى العراق الشقيق لمساعدته في الخروج من هذا الوضع المحزن.
