تحتفل أسرة أدباء وكتاب البحرين هذا العام، ولمدة ستة شهور كاملة، بمناسبة أربعين عاما من التأسيس، حيث ولدت الأسرة في أجواء استثنائية وأوضاع سياسية وثقافية جديدة ومهمة، مما يجعل من الضروري التوقف عند مسيرة منظمة مجتمع مدني ثقافية الملمح والروح والممارسة.

فمن خلال بنية إبداعية وثقافية، كان يتجول الفكر المعارض والموقف المتمرد والمخاض التاريخي القادم لبلد كان دوما يتوق للتغيير والتجديد والحرية في الفكر والتعبير والكلمة. فهل تستحق هذه الأسرة وقفة منا في ذكراها الأربعينية المؤثرة والرائعة؟

كان خريف عام 1969 مهما في تاريخ التأسيس، حيث التقى الرعيل الأول من الأدباء الشباب بهدف تدشين مؤسستهم الثقافية، وكانت مبادرة نشطة وحيوية من الدكتور محمد جابر الأنصاري، الخريج الجديد والوحيد من أعضاء الأسرة، والقادم من جامعة بيروت الأمريكية والمعلم في ثانوية المنامة، والمشحون بروح الانتماء القومي والسياسي الناصري، فوجد الجميع في تبني فكرة التأسيس عملية مهمة وتأطيرا ضروريا، بعد كبت طويل خيم على الجزيرة. بعد انتهاء حقبة الهيئة الوطنية 54-56، والتي ضربت من قبل الاستعمار البريطاني وتم نفي قادتها وسجنهم في سانت هيلانه، فإن مناخ الانغلاق والخنق الانجليزي بدا واضحا، حيث تمت مصادرة الصحافة كمتنفس وحيد للتعبير والتواصل الثقافي.

بعد عقد واحد، وفي مارس 1965، ستندلع انتفاضة مارس الشعبية، وسترفع من ضمن مطالبها الوطنية والتحررية مطلب عودة الحياة الصحفية.. لحظتها كانت الظروف الإقليمية والداخلية قد بدأت تهيئ كل إمكانية الولادة الجديدة لعودة الصحافة. في سبتمبر ولدت جريدة الأضواء الأسبوعية لمالكها ورئيس تحريرها المرحوم الأستاذ محمود المردي، والذي لم يأت للصحافة من فراغ، وإنما كان أحد رواد مرحلة الخمسينات وتمت ملاحقته وإغلاق صحيفته. لم يبخل المردي على الفن والأدب، فخصص صفحة استطاع من خلالها الأدباء الشباب التعبير عن طموحاتهم الأدبية، فعاد بكل شغف الشعب البحريني للصحافة الداخلية، بعد أن كانت صحف ومجلات القاهرة وبيروت ملاذهم الوحيد.

وما بين فترتي ولادة جريدة الأضواء وتأسيس الأسرة، كان الشارع البحريني يشتعل غضبا لحالة الانتكاسة وهزيمة حزيران، وفي وقت يستعد لمصيره التاريخي حول الاستفتاء على الانتماء العروبي للبحرين وحقها في الاستقلال، بعد التحضير للانسحاب البريطاني من المنطقة كلها ونيل شعوبها استقلالها الوطني.

في الاجتماع التأسيسي للأسرة الأدبية كانت واضحة طبيعة الأعضاء، فجميعهم كانوا أبناء مرحلة الهيئة وشبيبة مرحلة الانتفاضة، وجيل المعاناة العربية والتحررية في العالم الثالث ومرحلة تأثر التيارات القومية بالفكر اليساري، مما جعل الأسرة كتلة سياسية ترتدي بدلة ثقافية وإبداعية، فكان من الصعب فصل الحالة السياسية الوطنية عن حالة الاختمار الثقافي المتمرد، كواجهة وشكل من أشكال التخندق الثقافي.

كان شعار الأسرة «الكلمة من أجل الإنسان»، تعبيرا واضحا عن توجهات ذلك المولود الجديد، بل وتحايل الأعضاء على حساسية كلمة الحرية والشعارات المثيرة للشبهات، ولكنها بالضرورة كانت المعادل الموضوعي لمقولة «ليس »بالخبز وحده يحيا الإنسان.

كان مخاضا أليما وطويلا، حيث ارتبطت غالبية الوجوه المبدعة في الأسرة بمدارس فكرية وتيارات سياسية، صبغت بشكل تلقائي موقف الأسرة السياسي والاجتماعي، فباتت جزءا مكملا للحركة الوطنية في مرحلة بدأت تشهد البلاد ظهور منظمات المجتمع المدني تدريجيا، كجمعية المحامين والمهندسين واتحاد طلبة البحرين، فبدأ الشارع السياسي يسخن ودون توقف منذ 1965.

وفي أجواء التحضير للمجلس التأسيسي ثم المجلس النيابي 72-73، شهدت الحياة السياسية متغيرات وصدامات وتظاهرات وإضرابات عدة، كان من الصعب على الجيل الشاب من الرعيل الأول، من أمثال القاص محمد الماجد ومحمد عبد الملك وخلف أحمد خلف وأمين صالح وعبد الله خليفة وخليفة العريفي.

والشعراء الشباب كقاسم حداد وعلي عبد الله خليفة وحمده خميس وإيمان أسيري وعلوي الهاشمي وحميد القائد، الوقوف موقف المتفرج من الغليان السياسي والحماسة الواضحة في الشارع العام، في بلد يتطلع للحرية والتعبير. وبعد عام 1976 وجدت الأسرة نفسها تدخل حقبة جديدة عليها معرفة ملامحها وكيفية التعامل معها، بعد أن استطاعت الوجوه الأدبية الشابة أن تفرض نفسها على الخارطة الثقافية العربية، وتصبح تلك الأصوات الإبداعية البحرينية وجه البحرين الثقافي المعاصر.

وطوال تلك الأربعين عاما من مشاكسة الأسرة الثقافية وصراعها مع جهات متعددة، سادت فترات من المرونة والانفراج، فكلما انفرج الوضع السياسي انفرج التعبير الصحفي والثقافي والإبداعي، والعكس هو الصحيح، وهو مسار طبيعي لتاريخ البحرين منذ الخمسينات.

ومع عهد الإصلاح تصبح الظروف والأوضاع والمناخ العام مختلفا تماما، فمع الحريات السياسية والأمن الاجتماعي ودولة القانون، تتحول الأصوات الشابة من الرعيل اللاحق أصواتا إضافية جديدة ومجددة للرعيل الأول، الذي ما زال يغني ويكتب ويقاوم، من أجل شعاره القديم «الكلمة من اجل الإنسان».

كاتب بحريني

baderabdulmalek@yahoo.com