يعرف جميع المقربين مني أن الساعة الثامنة والنصف من صباحات السبت، ليست وقتاً أحبذه للقيام بنشاطات اجتماعية؛ إذ يكون هاتفي مغلقاً حينها ولا أزال أفكر بما سأفعله خلال اليوم. ولكن يوم السبت 10 أكتوبر كان يوماً استثنائياً بالنسبة لي، ليس فقط لأنه شهد فوز باراك أوباما بجائزة نوبل للسلام، بل لأنني أمضيت النهار بطوله في متابعة فعاليات منتدى مميز استضافته «مدينة دبي للإعلام» ذلك اليوم، وتلك «معجزة» أخرى في حد ذاتها.
ففي صبيحة ذلك اليوم، كنت مدعوة من قبل المخرج محمد سعيد حارب لحضور حدث عالمي سنوي يعقد للمرة الأولى في دبي والشرق الأوسط، هو «مؤتمر التقنية والترفيه والتصميم» (تيدكس دبي)، الذي يدعو إلى تبادل الأفكار والشغف مع مفكرين وشخصيات فاعلة. وانعقد «تيدكس دبي» تحت شعار «أفكار تستحق المشاركة»، حيث سلط الضوء على أهم المنجزات الجديدة في دبي، بمشاركة العديد من المواهب العالمية التي تحاورت وتفاعلت بعقل منفتح طوال اليوم.
وكما كنت أتوقع، فقد جاء ذلك اليوم مختلفاً تماماً بفضل جهود الجميع، ابتداء من متطوعي جامعة زايد وانتهاء بالمنظمين الذين اختاروا موقعاً مناسباً، وجهزوا منصة تليق بمناسبة هي الأولى من نوعها في دبي. وكان ذلك أشبه باجتماع عفوي تجلس فيه محاطاً بأقرانك، ويتيح لك فرصة الجلوس على المنصة إلى جوار المتحدثين والإحساس بقدراتهم وشخصياتهم.
وقد تتساءل في سرك عن قيمة حدث من هذا القبيل؟ أما بالنسبة لي، فلعل قيمته الأبرز تكمن في فرصة الاستماع إلى متحدثين مذهلين دون أن تترتب على شركتي أي أعباء، سواء على صعيد النفقات أو إهدار وقت العمل. فمع أن ذلك كان خلال عطلة نهاية الأسبوع، غير أنني لن أتوانى عن تكرار التجربة مجدداً.
وبالتأكيد فقد تعلمت الكثير من «تيدكس دبي» دون أدنى شعور بالملل أو إحساس بأن أحداً يلقي علي دروسا. فقد أتيحت لي الفرصة للجلوس وسط أقراني والاستماع إلى متحدثين من مدارس فكرية جديدة، وهي تجربة لا تقدر بثمن، خاصة وأن ما يقومون به جدير فعلاً بالتقدير والثناء. عندما يتعلق الأمر بالمتحدثين، يجب أن تنتفي القيود، لاسيما تلك المرتبطة بفارق السن.
وهذا ما تميز به «تيدكس دبي»، حيث حظيت بشرف الاستماع إلى دبي عبد الله بلهول ذات الـ13 ربيعاً، التي تطمح لأن تكون أول فتاة عربية تنال جائزة الأوسكار. وقد انطوى كلامها على الكثير من الحماسة، مؤكدةً أن العمر ليس سوى رقم أمام إيمان الإنسان بقدرته على تحقيق هدف ما.
ومن كان يعتقد أن تكون الشاورما، على بساطتها، موضوعاً لأحد الحوارات المطروحة في المؤتمر؟ أقله، لست أنا!
خلافاً للتوقعات، استطاع محمد وراشد برهم العوضي تحقيق حلمهما بافتتاح مطعمهما الخاص للوجبات السريعة، بعد سنوات من العمل لدى شركات عالمية متخصصة في مجال السلع الاستهلاكية.
وقد بادر الشقيقان إلى طرح الموضوع للنقاش عبر موقع التواصل الاجتماعي الإلكتروني «تويتر»، طالبين من العملاء المحتملين الإدلاء برأيهم حول هذه الفكرة قبل الشروع في تنفيذها. ويرى الرجلان عملاءهما المستقبليين بمثابة مساهمين، ويقدران آراء الآخرين، الأمر الذي تجلى واضحاً في نجاحهما في توظيف التسويق الاجتماعي بأسلوب جديد ومبتكر تماماً.
ومن الأشخاص الذين عرفتهم مؤخراً وأكن لهم الكثير من الاحترام الدكتور نايف المطوع، الكاتب المعروف ومؤلف سلسلة الـ 99، وهي مجموعة قصصية مصورة مستوحاة من الثقافة الإسلامية، وتهدف إلى تقديم الأبطال الخارقين للأطفال المسلمين بطريقة ملائمة.
ولا يضيرنا أن نعلم أن كتابات هذا الرجل المبدع كانت محظورة في العالم العربي، في الوقت الذي حظي فيه بتكريم منظمة اليونسكو لإسهاماته القيمة في أدب الأطفال. وعندما أراد نشر «الـ 99»، قال الدكتور نايف للناشرين: «لا أحد يفوقني جنوناً غيركم».
وهو رجل شغوف بما يحب، إذ وجد في القلم وسيلة للتعريف بالإسلام لدى شريحة أوسع من الناس من خلال التبادل الثقافي، ولم يكتف باتخاذ الكتابة هواية له، كما نصحته والدته ذات مرة.
أما مسرات داود، فهي امرأة تدرك بحق معنى أن يساهم المرء في رفع مستوى الإنسان في مجال ما، فقد تركت عالم الشركات لتعمل على محو الأمية وسط الفقراء؛ وذلك بأن أوجدت «أكاديمية 8 أيام» التي تعنى بتدريس الأطفال والبالغين، وكسر الأنماط التقليدية في التعليم، مولية اهتماماً خاصاً لتعليم النساء في القرى الهندية. لهذا، تعتبر مثالاً حياً لمن يسعى لاستخدام وعيه الاجتماعي في خدمة الناس.
لقد كان جميع من ذكرتهم أعلاه، وغيرهم العديد من المتحدثين في المؤتمر، يتميزون بمستوى عال من الوعي الاجتماعي، والفطنة العملية، الأمر الذي يجعل منهم قادة مثاليين للمستقبل.
وما من شك في أن تفانيهم الشخصي كان موضع إلهام كبير للآخرين، حيث أثبتوا أن الإنسان ليس مضطراً للانضواء تحت جناح شركة ما للاستمتاع بحياته المهنية، بل يمكنه العمل على مشروعه الخاص وسط مجتمعه، بدلاً من أن يكون فرداً عادياً فيه. وفي هذه الأثناء، أتطلع قدماً لحضور مؤتمر العام القادم، وآمل أن يستفيد المنظمون من مؤتمر هذا العام لإثراء نسخته المقبلة بضيوف جدد.
كاتبة إماراتية