يمثل لبنان عند البعض من العرب حالة فريدة في قدرتها على العيش والتعايش مع الأزمات، بل وفي استعصاء حل معضلها أو معضلاتها الداخلية. وحالة الاستعصاء هذه قد يكون منبتها في الداخل اللبناني ذاته، وقد يكون في بعضه أو جله متعلقا بالخارج الذي بات يمثل شريان الحياة بالنسبة للبنان واللبنانيين.
فالخارج من دول عظمى وصغرى ودول إقليمية عربية وأجنبية وقوى سياسية واجتماعية ومهاجرين في أصقاع الأرض المختلف وسياح ومستثمرين عرب وأجانب وغيرهم، قد مثلوا على الدوام شريانا مهما للحياة داخل المجتمع اللبناني.
لقد كان تاريخ النشأة في لبنان فريدا في نوعه، حكمته طبيعة القوى الاجتماعية والطائفية والمذهبية والطبقية في المجتمع اللبناني. وهي نشأة قد حَدَدت، ليس فحسب طبيعة الدولة، وإنما حددت معها كذلك طبيعة علاقتها بالمجتمع. هذا المجتمع الذي باتت تتضخم فيه قوة القوى الطائفية والمذهبية، وإلى حد ما السياسية على حساب الدولة.
هذه الدولة التي منذ أن أعيد تشكيلها بعد أتفاق الطائف تتهيب فرض سلطتها على المجتمع، كنتيجة طبيعية لتضخم قوة التعاضديات الاجتماعية على مدى العقود الثلاثة الماضية، على حساب الدولة، وأصبحت في مواقعها وهيبتها عند بعض أو جل الأفراد، أكبر من قوة الدولة.
بل إن جزءا من قوتها يتمثل في قدرتها على تحقيق الحاجات، ليس الاجتماعية والنفسية للأفراد، وإنما المعيشية الرئيسية في المسكن والعمل والتعليم والتطبيب.
ويمثل كسر اللبنانيين لقوانين السير رمزية بسيطة، ليس فحسب على اختفاء أو ضعف الدولة في فرض قوانينها، وإنما في قدرة الأفراد والجماعات في الداخل اللبناني على الاستقواء بتضامنياتهم في مواجهة الدولة. بل إن لبعض من هذه القوى قواته الخاصة التي تنظم وترعى السير في محيطها الجهوي أو السياسي، وهو محيط بات محظورا على الدولة دخوله.
ويرى البعض أن الوجود السوري في لبنان قد مثل القوة الوحيدة القادرة على الضغط على الفرقاء اللبنانيين، بل والفارضة لقدر من الاتفاق فيما بينهم، والقائلين بهذا الرأي يستشهدون باستعصاء المشهد السياسي اللبناني الحالي. ومهما كانت درجة وجاهة هذا الرأي، إلا أنه في اعتقادي لا يعكس حقيقة الصورة القائمة في الداخل اللبناني.
فاللبنانيون دخلوا في قدر مهم من السلم الأهلي منذ مجيء رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري إلى الحكم، والذي بحكم سماته الشخصية وحجم الدعم الذي كان يحظى به من الخارج، كان قادرا على إعادة بناء الكثير من مؤسسات الدولة، وإعادة بسط حضور الدولة النسبي في مناطق البلاد المختلفة، وعلى إقامة قدر من الاتفاق على حكمه بين القوى والجماعات والطوائف المتصارعة.
إلا أن غيابه أعاد السخونة لخطوط التماس الفاصلة في السابق بين القوى اللبنانية المتحاربة، وإن كانت بأدوات جديدة. فسقوط كل محاولات عقد اتفاقات لوقف أطلاق النار في السابق، يقابله الآن سقوط الاتفاقات المتتالية بين الفرقاء اللبنانيين في مرحلة ما بعد الحرب. بل إن اشتعال الحروب الكلامية عبر وسائل الإعلام المختلفة المملوكة والممثلة لهذه القوى، يقابله اشتعال خطوط التماس الفاصلة في السابق بين هذه القوى.
ومع أن هذا العجز قد ينظر إليه على أنه مؤشر للاستقرار السياسي، إلا أن اللبنانيين غير المؤطرين في تضامنياتهم المختلفة، يجدون أنفسهم قادرين على الاستمرار دونها. والأغرب من ذلك أن لبنان ورغم دخوله في حربين: خارجية وداخلية خلال السنوات الثلاث الماضية، إلا أن قدرته على العيش والاستمرار قد عكسها هذا الارتفاع الكبير في أسعار العقار والفنادق والإقبال عليهما، وفي الزيادة الكبيرة في أعداد المطاعم والمقاهي ومرتاديها، بل وفي التدفق الكبير للسياح العرب والمغتربين اللبنانيين خلال السنتين الماضيتين.
إنها بحق حالة لا تصلح في تفسيرها المنظومات النظرية الجاهزة خارجا عن سياقها الاجتماعي والثقافي والسياسي، بل خارجا عن سياقها الإقليمي الذي هو الآخر بات سياقا تتحرك في ضوئه كل تضامنيات الداخل، التي هي جذر المعضل الكابح لأحد أهم وأسبق المجتمعات العربية في تجربة تحوله نحو الحداثة التي تعطل تجذرها، ليس بسبب الخارج هذه المرة، وإنما لمعضل متمفصل في بناء الداخل.
كاتب بحريني