جدل حاد وفتور وبرودة في العلاقات الفرنسية الجزائرية، كلما طرح موضوع الاعتذار والتعويض الذي تطالب به الجزائر فرنسا، عن 132 سنة من الاستعمار والاستغلال والابتزاز والقتل والبطش والتجويع والتجهيل. في المقابل نلاحظ تعنت فرنسا وتمسكها بثقافة تمجيد الاستعمار والاعتزاز بالخدمات التي قدمتها لمستعمراتها التي كانت ترزح تحت وطأة الفقر والجهل والتخلف.
فتارة تقدم وعودا بالتعويضات، وتارة أخرى تؤكد عدم مسؤولية هذا الجيل من الفرنسيين عما قام به آباؤهم وأجدادهم من جرائم.
أما في الجزائر فكلما تم الاحتفال بذكرى من الذكريات العديدة والأليمة لمجازر وجرائم الاستعمار، والمواقف البطولية للشعب الجزائري، كلما أثير موضوع الاعتذار والتعويض عن تداعيات الحرب والظلم والبطش والتنكيل والتعذيب والإبادة، ومختلف أنواع الجرائم التي عانى منها الشعب الجزائري طيلة قرن ونيف.
ومن أبشع جرائم الاستعمار الفرنسي في الجزائر ،تلك التجارب النووية في منطقة رقّان جنوب الصحراء الجزائرية، فهل تكفي التعويضات التي ستدفعها فرنسا لضحايا هذه التجارب التي ما زالت تداعياتها قائمة إلى حد الساعة؟ وهل ستشمل كل الضحايا ممن قضوا والحاليين والمرتقبين مستقبلا؟
ولماذا هذا التأخر الذي فاق أربعة عقود من الزمن؟ وأين وسائل الإعلام من هذه الفضائح؟ وأين هي منظمات وجمعيات حقوق الإنسان وهيئات حماية البيئة؟ أين هو الطرف الجزائري للمطالبة بحقوق الضحايا بملفات وإحصائيات ودراسات قانونية؟
وأين خريطة التجارب وتفاصيلها؟ وأين الهيئة الدولية للطاقة للوقوف على ما حدث؟ أسئلة كثيرة وتناقضات عديدة عشية الكلام عن مشروع قانون فرنسي لتعويض ضحايا رقان، مشروع جاء في الأساس لتعويض أفراد الجيش الفرنسي المتضررين من التجارب.
في 13 فبراير 1960 نفذت فرنسا تفجيرا نوويا «اليربوع الأزرق» في منطقة رقان في أقصى جنوب غرب الصحراء الجزائرية، بلغت قوته 60 كيلو طن، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف قوة القنبلة التي ألقت بها الولايات المتحدة الأمريكية على هيروشيما في العام 1945. هذه القنبلة تلتها قنبلة «اليربوع الأبيض»، ثم «اليربوع الأحمر»، حسب ترتيب الألوان الثلاثة للعلم الفرنسي. وفي الأخير اختتمت فرنسا جرائمها بالقنبلة الرابعة والأخيرة، التي سميت اليربوع الأخضر.
تتلخص حصيلة الجرائم النووية الفرنسية في الجزائر، في 57 تجربة نووية نفذتها فرنسا في ثلاث مناطق جنوب الصحراء الجزائرية، منها أربع تجارب سطحية و13 تجربة في أنفاق باطنية و35 تجربة على مستوى الآبار، و5 تجارب أخرى اُستعملت فيها مواد فتاكة محظورة دوليا. مسؤولية فرنسا في هذه الجريمة كاملة لا غبار عليها، ولا تحتاج إلى قرار إدانة. تجارب فرنسا النووية أدت إلى تلوث المنطقة برمتها في محيط 150 كيلومترا من موقع الانفجار.
لقد نفذت فرنسا بين عامي 1960 و1966 أكثر من 20 تفجيرا نوويا على الأراضي الجزائرية، وما يزيد على 40 تجربة نووية، وهذا حسب تصريح العسكريين والخبراء الفرنسيين أنفسهم. هذه الجرائم تسببت في تلويث الغلاف الجوي والموارد الطبيعية، وتفشي الأمراض والتشوهات الخلقية وغير ذلك مما لم يسلم منه لا البشر ولا الحيوان ولا النبات والطبيعة.
والجريمة الأكبر أن السلطات الفرنسية لا تريد الاعتراف بجرائمها هذه، ورفضت وترفض تسليم المعلومات عنها إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وحتى الساعة ما زالت ملفات التفجيرات النووية الفرنسية سرية وغير متوفرة للاطلاع عليها، حتى للمنظمات الدولية التي تشرف على المراقبة.
ما زالت تداعيات وآثار الاستعمار الفرنسي في المستعمرات السابقة حاضرة حتى الساعة، وما زالت مشكلات الحدود وأزمة الهوية والخلل الاقتصادي والتبعية الثقافية، تحاصر العديد من الدول التي عانت من مآسي الاستعمار والظلم والعبودية. ففرنسا تخلت عن مستعمراتها وتركتها في دوامة من التبعية، ومن المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، ومن الجهل والفقر والتخلف. كما فشلت فرنسا في وضع استراتيجية جديدة للتعامل مع مستعمراتها، وخطة عمل تتماشى مع المعطيات الجديدة في العالم.
المنظومة الدولية اليوم بحاجة إلى دراسة موضوع التجارب النووية بهدف الوصول إلى آليات عملية، من شأنها أن تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته لمعالجة التداعيات والانعكاسات الخطيرة التي عانت وتعاني منها المناطق التي شهدت وعاشت تلك الجرائم النووية. ومن واجب القانون الدولي معاقبة المجرمين وإرغامهم على دفع التعويضات، والقيام باللازم من أجل التخلص من الترسبات والملفات الناجمة عن تلك التجارب، وكذلك الأوبئة والأمراض والتلوث البيئي.
التناقض الصارخ الذي نلاحظه في عصر التناقضات والتضليل والتزييف والكيل بمكيالين، هو أن فرنسا تسعى إلى دعم وتطوير علاقات التعاون والتبادل الاقتصادي والتجاري والثقافي والعلمي مع دول القارة السمراء، وتمارس ضغوطا كبيرة على إيران بشأن ملفها النووي، وترفض في نفس الوقت الاعتراف بجرائمها في مستعمراتها السابقة. المسؤولون الفرنسيون يصرحون بأن التجارب النووية في الصحراء الجزائرية «نظيفة»، ولم تعرّض السكان والبيئة للإشعاعات أو لأي نوع من الأمراض والانعكاسات السلبية.
هذا الموقف من قبل بلد «الحرية والمساواة والأخوة»، يذّكرنا بقانون فرنسي يمجد الاستعمار ويثني على الإيجابيات التي قدمها للمستعمرات. ألم ينظّر جول فيري قائلا «إن الله خلق نوعين من البشر، نوعا يوجد في الشمال خُلق ليسيطر ويقود النوع الثاني من البشر الذي يوجد في الجنوب»! وحسب نظرية المنظر الفرنسي للاستعمار، فالأوروبيون خُلقوا ليستعمروا الشعوب الأخرى حتى يعلموها العلوم والمعارف والتمدن والتطور!!
تمثل التجارب النووية في العالم إشكالا مهما وكبيرا، لكن لكونه يهم المغلوب على أمرهم ويحرج القوى الفاعلة في النظام الدولي ويضعها أمام مسؤولياتها وأمام الجرائم التي ارتكبتها، فإنه لم يحظ بالاهتمام اللازم.
عميد كلية الاتصال، جامعة الشارقة