كأنها زهرة ضخمة تفتحت بألوان زاهية، تستلفت الكثيرين عملية التوسع الدبلوماسي التركي المدهشة، بخطى واسعة وعدد كبير جدا من الأوراق: اقتصادية وسياسية وثقافية، وفي معظم الملفات الإقليمية المهمة أصبحت تركيا عاملا مشتركا. فهي رعت مفاوضات سياسية سورية إسرائيلية.

وعندما تأزمت العلاقات بين دولتين عربيتين (العراق وسوريا) كانت الوسيط الأسرع تحركا، بل أصبحت وسيطا مطلوبا تدخله في النزاعات الداخلية المستعصية، مثل قضية كركوك العراقية وفي الهجمة الإسرائيلية الأخيرة على المسجد الأقصى، أصدر حزب الله بيانا يدعو فيه تركيا للتدخل، وفي لفتة رمزية أخرى تمكنت حكومة أردوغان من توقيع اتفاق لإعادة «سكة حديد الحجاز»، التي شكل تدميرها في الحرب العالمية الأولى حلقة من أكبر حلقات العزلة بين تركيا ومحيطها العربي الإسلامي.

ومن عالم الرموز إلى عالم المصالح، تتقارب تركيا مع سوريا بوتيرة لم تكن متوقعة بين دولتين بينهما نزاع مزمن على الحدود، وسريعا تمكنت من تبديد ميراث الشك لتنتقل إلى بناء علاقة تعاون يصفها الطرفان بأنها استراتيجية.

ويحفل الإعلام العربي المرئي والمقروء بكم هائل من التحليلات التي تتناول «صحوة العملاق»، فيما يتردد في الإعلام التركي تعبير يلخص الحالة بوضوح هو «القرن التركي»، حيث إن من يرددونه يرون أمام تركيا فرصة تاريخية لأن تعود مرة أخرى مركزا لتشكيل سياسي كبير، يعيد صياغة الحلم العثماني قبل أن يعيد بعثه. وخارج دائرتها التاريخية العربية الإسلامية، تتجه تركيا غرباً، وبيد واثقة تطرق أبواب الاتحاد الأوروبي.

وهي دون تردد حققت اختراقا تاريخيا على جبهة العلاقات التركية الأرمنية، فضلاً عن علاقتها المتميزة بالولايات المتحدة الأميركية ونجاحها الاقتصادي الكبير، دون موارد نفطية. وعلى قمة هرم النجاح تسعى تركيا لجمع كل اللغات ذات الأصل التركي لتصبح لغة واحدة. فتركيا التي تعيد تموضعها الإقليمي، تستثمر في المقومات المعنوية والثقافية والإرث التاريخي، بالضبط كما تستثمر في الموارد المادية.

وفي 1993 وضعت تركيا اللبنة الأولى في بناء الإمبراطورية الجديدة عندما أسست «تركسوي»، وهي منظمة دولية تضم الشعوب الناطقة بالتركية، وهي إلى جانب تركيا: أذربيجان وكازاخستان وأوزبكستان وتركمانستان، فيما يمتد الوجود الفعلي للغة التركية وما تفرع عنها من لغات إلى قلب الصين شرقاً!

ومؤخرا وبعد ستة عشر عاما على إنشائها، أعلن مديرها العام دوسن كاسينوف أن بناء لغة موحدة للبلدان الناطقة بالتركية يقتضي زمنا، وأنه في الوقت الحاضر هناك كثير من الدول الناطقة بالتركية حصلت على استقلالها مؤخرا، تعمل على إعادة بناء وتطوير لغتها. والمنظمة التي بدأت لإنقاذ اللغة التركية من غزو اللغات الأخرى، تحولت إلى طموح التوحيد.

ومن يتأمل السياسة الخارجية التركية منذ أن تولاها عبدالله جول، يضع يده على تحول رسخه تولي أحمد داوود أوغلو منصب وزير الخارجية، فالثلاثي المتناغم (جول ـ أردوغان ـ أوغلو) يدرك الواقع جيدا ويقتنص الفرص في الوقت الملائم، ويزاوج بين دور الجسر ودور الشريك، ويريد تطويع كل الأوراق لجعل السياسة الخارجية التركية معبرة عن السبيكة المعقدة التركيب تاريخيا وجغرافيا وثقافيا.

وتركيا تتحرك بحكمة لا تخلو من شجاعة نحو الذات، ودون أن تتعثر خطواتها في عقد تاريخية ساهمت ـ في حالات مشابهة ـ في تخريب مشروعات النهوض. فالجيش التركي قبل إعادة صياغته علاقته بالسلطة المدنية، انحاز إلى خيار طي صفحة الانقلابات العسكرية نهائيا لتصبح من الماضي. وفي ما يشبه الهدنة، يتم الآن التمهيد لقبول التعايش بين الكمالية الغاربة التي يحميها العسكر، والعثمانية البازغة التي يحمل رايتها إسلاميو تركيا.

والقوميون الأتراك من جانبهم أصبحوا أقل ممانعة لقبول اعتراف واسع بالأكراد في الداخل، وبوجود منطقة حكم ذاتي كردية في شمال العراق. ولدى تركيا، إلى جانب ما سبق، ثروة كبيرة تتمثل في الخيارات التي تم ترسيخها عبر سنوات التحول الديمقراطي.

كاتب مصري

mmshikh@hotmail.com