لا يمكن الجزم بوضع القراءة في العالم العربي، فمن غير المعروف المدى الذي وصلت إليه الأجيال الحديثة في الارتباط بعالم الكتب والقراءة. وفي ظل غيبة أية بيانات حقيقية عن إنتاج الكتب واستهلاكها وأفضل المبيعات، مثلما الحال في الدول الغربية، يصبح التوصل لتصور بشأن وضع القراءة محفوفا بالمخاطر والإسقاطات والانطباعات الذاتية.
إضافة إلى ذلك، لا توجد أية بيانات حقيقية عن التعليم والجوانب الثقافية المرتبطة به، مثل عملية القراءة في ظل التأثيرات المختلفة للإنترنت والإقبال الهائل من الأجيال الجديدة عليها.
فلا توجد على حد علمي دراسة واحدة أُجريت على عينة ميدانية، حاولت الاقتراب من التعرف على ما إذا كان العرب يقرؤون أصلا أم لا، وما هي نوعية الكتب التي يقرؤونها؟ وهل يحرصون على زيارة معارض الكتب أم لا؟ وإذا زاروها ما هي نوعية الكتب التي يقبلون عليها ويحرصون على شرائها سواء لهم أو لأبنائهم؟ وهل يوجد تفاوت فيما بين الأجيال المختلفة في عملية القراءة؟
وهل أثرت وسائط التعليم الجديدة مثل الإنترنت على عملية القراءة واقتناء الكتب؟ يمكن القول بتراجع كبير في عملية القراء في الثقافة العربية المعاصرة؛ فبعد أن كان الكتاب منذ عقود قريبة ماضية يمثل قيمة كبيرة للمواطن العربي، تراجعت قيمته بشكل كبير، وقل ان نجد الأفراد يحرصون على اقتناء الكتب وتشكيل مكتبة منزلية تحتوي على أشكال مختلفة من الكتب والمجلات.
بل إن اللافت للنظر أن الكثيرين ممن يرتبط عملهم بجوانب ثقافية وفكرية معينة، لا يقرؤون ويكتفون فقط بالإلمام بعناوين الكتب وسياقات الأحداث والقضايا المختلفة. ويعود ذلك لعدة أسباب، أولها ضعف الثقافة القرائية داخل الأسرة العربية التي تكتفي في بعض الأحيان بالاطلاع على الصحف اليومية، ولا تميل لشراء الكتب أو الحرص على اقتنائها.
ويرتبط ذلك أيضا بغلاء أسعار الكتب، الأمر الذي يجعل من اقتنائها مسألة ترهق ميزانية الأسرة في معظم الدول العربية. كما أن المدارس لا تقوم بالدور المنوط بها في تربية وتدريب الصغار على القراءة، وتخصيص حصص بعينها من أجل ارتياد المكتبات والقراءة والمطالعة الحرة، هذا إذا كانت المدرسة تشتمل على مكتبة من الأساس.
ومما يعمق حدة الأمر، الضعف الشديد في تعليم اللغة العربية، وعدم الاحتفاء بها في المدارس الآن كمادة أساسية للتعلم والقراءة، وإهدار التفكير والفهم بها. فالملاحظ أن هناك قناعة متزايدة لدى المدارس وذوي التلاميذ، بعدم أهمية اللغة العربية بالنسبة لمستقبل التلاميذ، حيث الضامن الأساسي لسوق العمل في المستقبل هو تعلم اللغات الأخرى وعلى رأسها اللغة الإنجليزية.
ومن الجوانب الخطيرة في عملية القراءة في العالم العربي الكبير، ذلك الإقبال على الكتب الدينية الإسلامية والمسيحية على السواء، الأمر الذي يجعل من عملية القراءة دفاعا أيديولوجيا في الأساس، دون أي انفتاح على الفروع الأخرى من المعرفة، مثل الأدب والفن والتاريخ والفلسفة والاجتماع والعلوم، وغيرها من التخصصات الأخرى التي لا يقبل عليها أحد من القراء.
والغريب في الأمر أنه في ظل ارتفاع نسبة قراءة الكتب الدينية، أو على الأقل اقتنائها، تزداد نسبة مشاهدة التليفزيون والتعامل مع الإنترنت بحيث تصبح هي أداة المعرفة والتعرف على العالم، بعيدا عن الكلمة المكتوبة والأفكار الأكثر عمقا. وتزداد خطورة الأمر هنا في ظل التزييف والتسخيف الهائل الذي يقوم به الإعلام العربي المعاصر، من تسطيح للعقلية العربية بكافة شرائحها العمرية المختلفة.
ولا تقدم الجامعات العربية فرصة جديدة لتعويض ما فات وتعويد الأجيال الجديدة على القراءة، بقدر ما تزيد الطين بلة من خلال التركيز على عملية التعليم الرتيبة المضادة للإبداع، والتي ترتكز في الأساس على الكتاب الجامعي المقرر، بحيث ينتهي العام الجامعي وكل ما تعلمه الطالب أو قرأه مجموعة فصول من عدة كتب لا تسمن ولا تغني من جوع.
كما أن المكتبات الجامعية ذاتها، رغم ثراء بعضها، لا تحرص على اقتناء الكتب النقدية التي تحرك العقول وتثير القضايا وتنتج جيلا جديدا ذا عقل منفتح.
ومما يبتر عملية القراءة في العالم العربي ضعف الترويج لها، وهو ضعف يرتبط بعدة جوانب، منها قلة المكتبات العامة، وقلة معارض الكتب السنوية، وضعف الفعاليات الثقافية التي تتحول، إن وجدت، إلى حفلات أقرب للممارسات السياحية من أي شيء آخر. كما أن المعارض السنوية تصبح أداة لشراء الكتب الدينية وكتب الأطفال وبعض وسائط الحاسب الآلي المختلفة، وغيرها من الجوانب الأقرب للترفيه منها للمعرفة الجادة والحقيقية.
تحتاج مسألة العودة للقراءة في العالم العربي لتلاحم جهود العديد من المؤسسات المختلفة، مثل المدرسة والجامعة، من حيث القيام بدور تدريبي يحث الأجيال الجديدة على القراءة والاطلاع.
كما يجب أن تقوم المؤسسات الثقافية الحكومية والخاصة بأدوارها المطلوبة في إنتاج الكتاب وضمان وصوله إلى القارئ بسهولة ويسر، سواء من حيث منافذ البيع المختلفة أو من حيث ضمان أسعار معقولة له. وأخيرا يجب على الأسرة أن تقوم بدور كبير، يعيد للكتاب قيمته وأهميته لدى الأجيال العربية الجديدة.
كاتب مصري