تنصّ الاتفاقية الأوروبية المبسّطة التي جرى تبنيها في برشلونة عام 2007، وستصبح سارية المفعول بعد التصديق عليها من جميع بلدان الاتحاد الأوروبي، على انتخاب «رئيس المجلس الأوروبي لرؤساء دول وحكومات بلدان الاتحاد». ومن المفترض أن يتم تصديق جميع الدول المعنية عليها، بما في ذلك الجمهورية التشيكية المترددة، خلال الأيام اللاحقة، وبالتالي شغل المنصب «الرئاسي» واقعيا من الآن وحتى نهاية العام الجاري.

المرشّح الأبرز لهذا المنصب هو توني بلير رئيس وزراء بريطانيا السابق. هناك مرشحون آخرون أقل ظهورا ولكن تتردد أسماؤهم، مثل رئيس وزراء لوكسمبورغ جان كلود جونكر والمستشار النمساوي الأسبق وولفانغ شوسيل والرئيسة الإيرلندية السابقة ماري روبنسون وغيرهم.

فكرة ترشيح توني بلير لمثل هذا المنصب قديمة وتعود، كما تفيد معلومات نشرتها الفايننشال تايمز البريطانية، إلى الفترة التي كان لا يزال فيها رئيسا للحكومة، لكن بانتظار تنفيذ قرار التخلّي عن الحكم بعد فترة.

وكان الإعلان «العلني» الأول عن اهتمامه بالمنصب في فبراير 2008، عندما كتبت «الغارديان» على لسانه «سأكون رئيسا لأوروبا إذا أعطيتموني سلطة ذلك». كان آنذاك موفدا للرباعية (الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة) إلى الشرق الأوسط.

في كل الحالات، يبقى توني بلير إلى حدّ كبير، هو مرشح الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي. لكنه ترشيح يثير الكثير من التردد، إذا لم يكن الاعتراض الصريح، في فرنسا نفسها وفي العديد من العواصم الأوروبية، خاصّة الصغيرة التي تخشى من «طغيان» البلدان الكبرى.

النقطة الأكثر سوادا في «سجل» توني بلير والسبب الرئيسي في تدنّي شعبيته و«سقوطه» من الحكم، هي موقفه «التابع» لجورج دبليو بوش في شنّ الحرب على العراق. لكن الرأي العام الأوروبي هو الذي لا يزال حساسا لهذه المسألة، وليس الناخبين الكبار الـ27 من رؤساء دول وحكومات الاتحاد الأوروبي الذين سيختارون «الرئيس الأوروبي». ثمّ إن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي ساركوزي كانا آنذاك في المعارضة، وليس معروفا عنهما أنهما كانا من معارضي تلك الحرب.

ويبقى «الاتهام» الأول لتوني بلير هو جنسيته؛ أنه بريطاني، أي من بلاد ليست معروفة بهواها الأوروبي كما يشير العديد من المواقف واستطلاعات الرأي؛ ومن بلاد ليست في عداد بلدان منطقة اليورو، مما يدعو للشك في فاعلية دفاع أحد سياسييها، من موقع «رئيس أوروبا»، عن هذه العملة الموحّدة التي تشكّل أحد عوامل ورموز النمو الاقتصادي الأوروبي المشترك؛ ومن بلاد ليست عضوا في مجال تشنغن الخاص بحريّة انتقال الأفراد؛ ومن بلاد منحازة إلى درجة المبالغة للسياسة الأميركية..

وبلير نفسه منعوت، ليس بالتحيّز لواشنطن فحسب، بل وبـ«الذيلية»، حسبما تردد في القاموس الصحفي البريطاني نفسه. وحتى الذين يعتبرونه من أكثر البريطانيين «أوروبية» يضيفون «لكنه أطلسي»؛ هذا دون نسيان أنه من بلاد تدعم بحماس انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.

إن العلاقة بين بريطانيا «الجزيرة» وأوروبا «القارّة» تجد صداها في مواقف رجلين من رموزهما، هما الجنرال شارل ديغول وونستون تشرشل. الجنرال نصح، بل أوصى، بعدم ضمّ بريطانيا أبدا إلى المجموعة الأوروبية المشتركة منذ نشوئها، ورئيس وزراء بريطانيا الأسبق قال بدون أية مواربة إنه في كل مرّة يكون فيها على بريطانيا أن تختار بين القارّة وبين الفضاء الرحب، سوف تختار هذا الفضاء الرحب، وكان يقصد بالطبع الولايات المتحدة.

وإذا كان ساركوزي يدعم اليوم بقوّة ترشيح بلير، فإن العديد من السياسيين الفرنسيين، بما في ذلك من معسكره اليميني ومن حزبه، لا يرون في بلير الرجل المناسب في الموقع المناسب. رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق إدوار بالادور قال بوضوح في مقال رأي له بصحيفة لوموند إنه «لا يمكن لبلير أن يكون رمزا لأوروبا التي تريد تأكيد وجودها». وجاء على لسان الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جسكار ديستان: «ينبغي أن ينتمي رئيس أوروبا القادم إلى بلاد تحترم تماما القواعد الأوروبية».

الملفت للانتباه هو أن أوروبا التي تجنح سياسيا نحو اليمين بأغلبيتها، مؤيدة لترشيح بلير «اليساري» للرئاسة. كما تدعم ترشيح فرانك والتر شتاينماير الألماني، «الاشتراكي» كذلك، لمنصب «الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي في السياسة الخارجية والأمنية»، وهو أيضا نائب رئيس المفوضية الأوروبية ورئيس مجلس وزراء خارجية بلدان الاتحاد الأوروبي الـ27، لكن سادت تسميته عادة بوزير خارجية أوروبا. وبهذا المعنى قد يكون هناك اشتراكيان على رأس المؤسسات الأوروبية العليا، ويميني محافظ واحد هو خوسيه باروزو رئيس المفوضية الأوروبية.

ورغم أن أوروبا الدستورية تتقدّم، يبقى السؤال الأكبر هو معرفة الآلية التي سيتم فيها توزيع الصلاحيات بين «رئيس أوروبا» و«وزير خارجيتها» والمفوّض الأوروبي ورئاسة الاتحاد الأوروبي، بالتناوب بين أعضائه الـ27 كل ستة أشهر؟ النصوص الأوروبية النافذة، بما في ذلك اتفاقية برشلونة، لا تقدّم في الواقع إجابات قاطعة.. والسياسة لا تسيّرها النوايا.

كاتب سوري ــ باريس

mohaklouf@yahoo.fr