لا شك ان اي عماني منا يدب على هذه الأرض الطيبة يجتاحه شعور بالارتياح العميق وهو يتابع هذا الحرص من لدن حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ لتخليد كل رمز من رموز هذا الوطن المعطاء ، وإيلاء التقدير الكامل لكل سمة من سمات تراثنا الأثري .

وكل علامة على ان جهدا قد تم بذله ذات يوم من ماضينا الممتد في قلب التاريخ ، فهذا تراث يستحق ان يحفظ في مقل العيون وأعماق الخواطر لما يزخر به من شواهد على اصالة هذا الشعب الذي أعطى للحضارة صفحات مشرقة والتمع بين سطورها اسم عمان والعمانيين من علماء وأدباء وقادة وحكام من اجل ان يستمر هذا التأبط الحميم بين السلطنة ومسيرة التاريخ بأجزائه القديمة والوسطى والمعاصرة ايضا.

لذلك جاءت الاستجابة سريعة من وزارة التراث والثقافة لوضع التوجيهات السامية في هذا المضمار موضع التنفيذ، فكان ان التأمت تحت رعايتها واعتبارا من امس ، وعلى مدى ثلاثة ايام متواصلة ندوة (واقع ومستقبل التراث الأثري في سلطنة عمان) بهدف الحفاظ على هذا التراث الخالد، عبر التنسيق والدراسة وإشراك الجهات والتخصصات الدولية والاقليمية ذات الصلة بالتراث والثقافة العالمية ، مع حشد الإمكانيات المتاحة وتضافر الجهود في شكل مسؤولية تضامنية مشتركة لتخليد آثارنا بانواعها المختلفة ، وحتى تعرف اجيالنا واجيال العالم المقبلة أي نتاج ابدعت سواعد وعقول ومشاعر العمانيين امس واليوم.

وبالطبع سيترك ذلك التخليد لتراثنا الأثري مجالا لتفعيل افكار جديدة في أذهان اخلافنا تبنى على نتاج عقولنا في الماضي والحاضر. وبذلك لا تكون المحصلة هي امانة نقل التراث بين الاجيال في حالة سليمة كما تركه صانعوه ، وانما ايضا تكون المحصلة مزيدا من الإضافة الى مفردات هذا التراث المنظور والمسموع حيث تزخر ارضنا الطيبة منذ بدء الخليقة بمعين لا ينضب من المكونات الطبيعية والثقافية والبشرية التي تقف على مر العصور شاهدا امينا وسجلا مفتوحا لعراقة هذا البلد وامتداد رصيده التاريخي والجغرافي.

فهذه الآثار تجتذب إليها السائح من اقصى الارض حبا في مطالعة شموخها وتأبيها على الاندثار، وهو لا ينتمي الى هذه البلاد ولكنه يعود محملا بعبق الذكريات الطيبة عن شعب بذل جهدا متواصلا بين اجياله ليصنع هذه الشواهد الأصيلة، التي تحكي تاريخ حضارات سادت ثم تولت في اعقاب بعضها البعض. ثم جاء تشكيل لجنة فنية لاعداد دراسة مطولة ومفصلة عن شؤون الآثار العمانية ليشكل مزيدا من الشعور بالأمان والطمأنينة على استمرارية هذا السرد المشهود لتاريخنا ، سعيا نحو بناء استراتيجية محكمة الأركان لحماية آثارنا الوطنية.

وهذا ما لمسناه من وراء سطور الأهداف والمحاور واوراق العمل التي تم ويتم تداولها في ندوة واقع ومستقبل التراث الأثري في سلطنة عمان. ويبقى علينا دور آخر هو ان نتابع ونطالع ونتمعن ونقرأ ونشرح للآخرين تفاصيل هذه الأمجاد التليدة وسلمت كل يد حافظة لتراثنا.