في كلمة ألقاها في مركز سياسات الأمن، شن ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي السابق، هجوما ساحقا على أوباما واتهمه بأنه يعرض أمن أميركا للخطر. ومركز سياسات الأمن هو أحد معاقل المحافظين الجدد، بل لعله أحد أكثر تلك المعاقل تطرفا. ويعتبر مؤسسه ورئيسه فرانك جافني واحدا من عتاة المحافظين الجدد، وأكثرهم تعصبا ضد كل ما هو عربي وإسلامي.
وقد احتفى المركز بديك تشيني ومنحه جائزة تدعى «حامل الشعلة»، منحت من قبل لمتشددين آخرين من أمثال دونالد رامسفيلد. وبعد الاحتفاء ألقى تشيني كلمة قصيرة، خصصها بالكامل للهجوم على سياسة أوباما الخارجية، من أوروبا لإيران ومن أفغانستان إلى غوانتانامو.
فقد اعتبر تشيني أن سعي أوباما لإعادة بناء العلاقات الأميركية مع روسيا والتخلي عن برنامج الدفاع الصاروخي الذي تبنى بوش إقامته في أوروبا الشرقية، بمثابة تقويض للمصداقية الأميركية في أوروبا وتخليا عن حلفاء أميركا التشيك والبولنديين، ومعهم «ملايين الأوروبيين» الذين تمنوا الأمن الذي تظللهم به أميركا، فيما يمثل «إذعانا» لبوتين «دون مقابل».
ومن الواضح أن تشيني نسي في هذا السياق أنه يتحدث عن بوتين نفسه، الذي كان بوش قد قال عنه إنه «نظر في عينيه» فعرف أنه طيب ويمكن الوثوق به!
وقد اتهم تشيني أوباما بأنه قدم أيضا تنازلات غير مقبولة لإيران، حيث حول الانخراط في حوار معها «من تكتيك إلى هدف في حد ذاته»، وضيع فرصة كبرى حين لم يدعم المعارضة الداخلية التي اندلعت في إيران عشية الانتخابات.
ورغم أن كل استطلاعات الرأي الأميركية تؤيد الانسحاب الأميركي من العراق، إلا أن تشيني اعتبر أن إصرار أوباما على ضرورة سحب القوات، ينافي «مسؤولية» أميركا عما وصفه بحماية الديمقراطية الوليدة في العراق، التي راح يكرر من جديد خطاب المحافظين الجدد الممجوج بشأنها، باعتبارها مرشحة لأن تكون «حليفا في الحرب على الإرهاب، ونموذجا يحتذى في الشرق الأوسط في مجال الإصلاح السياسي والاقتصادي»!
أما الاتهام الأكثر شراسة فقد شنه تشيني على تريث أوباما في ما يتعلق بالقرار المزمع اتخاذه بشأن أفغانستان. فالمعروف أن أوباما يعكف هو وفريق مساعديه على دراسة الموقف في أفغانستان، استعدادا لاتخاذ قرار بشأن مطلب قائد قواته هناك بإرسال المزيد من الجنود. وهو قرار من الواضح أن أوباما يأخذ في اعتباره بخصوصه موقف الرأي العام الأميركي، الذي صار مناهضا للوجود الأميركي هناك من أساسه، فضلا عن تعقيدات الوضع السياسي الأفغاني والوضع العسكري وآفاقه على الأرض.
إلا أن تشيني انتقد ما وصفه بـ «تردد» أوباما، ثم شن عليه هجوما كاسحا اعتبر فيه أن عدم اتخاذ القرار «يقوي الأعداء ويعرض القوات الأميركية للخطر». وفي الوقت الذي دافع فيه تشيني دفاعا مستميتا عن استخدام التعذيب في عهد بوش، فقد اتهم أوباما صراحة بأنه بقراره الذي اتخذه بوقف التعذيب في السجون وإغلاق معتقل غوانتانامو، فإنه يعرض أمن الولايات المتحدة للخطر.
ورغم أنه من غير المألوف في الولايات المتحدة للرئيس أو نائبه اللذين خرجا لتوهما من الحكم، أن يوجها انتقادات علنية لخلفهما، إلا أن تلك ليست المرة الأولى التي يقوم فيها ديك تشيني بالهجوم علنا على إدارة أوباما وسياساتها.
لكن الهجوم الأخير الذي شنه تشيني من مركز سياسات الأمن، يكتسب أهمية خاصة كونه تزامن في الواقع مع هجوم شنته رموز أخرى بارزة في الحزب الجمهوري، وتركزت كلها حول السياسة الخارجية الأميركية عموما، والقرار المزمع اتخاذه بشأن أفغانستان على وجه الخصوص. ففي خلال الفترة نفسها أدلى نيوت غينغريتش رئيس مجلس النواب السابق، وعضوا مجلس الشيوخ جون ماكين وليندسي غرام، بتصريحات صحافية وجهت انتقادات مباشرة لأوباما.
وإذا ما نظرنا إلى جوهر الانتقادات التي وجهها هؤلاء، نجدها كلها تتعلق بعسكرة السياسة الخارجية الأميركية، التي كانت إدارة بوش قد تبنتها واستطاعت إرساءها عبر ثمانية أعوام، وتسعى إدارة أوباما لتفكيك بعضها أو على الأقل الحد من آثارها الكارثية على المصالح الأميركية.
إذا كان الأمر كذلك، يصبح الهدف من ذلك الهجوم المستمر، والذي تشارك فيه رموز جمهورية على أعلى مستوى، هو وضع أوباما في موقف يجعل تخليه عن سياسات بوش معناه دفع ثمن فادح.
فالمحافظون الجدد خرجوا من الحكم فيما يشبه استفتاء شعبيا يرفض سياساتهم الكارثية، وهم يدركون أنه ليس بإمكانهم استعادة مكانتهم في صنع السياسة الخارجية الأميركية، إلا إذا أقنعوا المواطن الأميركي أن رؤيتهم مهما كانت بائسة، إلا أنها البديل الوحيد الناجع لحماية أميركا من الأخطار التي تحيق بها. وهو ما لا يتأتى إلا بأمرين؛ أولهما إثارة ذعر الأميركيين المستمر من العالم، وثانيهما العمل بكل الطاقة لإفشال أية سياسة تعتمد على منهج مختلف للتعامل مع ذلك العالم.
ومن هنا فهم يحكمون الفخ حول أوباما. فهو إذا ما أصر على سياسته الحالية وتعرضت أميركا لعملية إرهابية مثلا، يصبح من السهل صياغة حملة إعلامية تربط بين تلك السياسة وبين ما حدث، وبالتالي تحمل الرئيس الجديد وسياسته المسؤولية، الأمر الذي تسهل معه إعادة استلهام سياسات عهد بوش والتأكيد على أنها هي البديل الوحيد الناجع.
أما إذا انصاع أوباما لضغوطهم وقام مثلا بالتصعيد في أفغانستان، فإنه يخسر الديمقراطيين ويضطر لأن يكمل باقي مدته معتمدا في سياسته الخارجية على دعم الجمهوريين، الأمر الذي يعني تقليص فرص إعادة انتخابه للحد الأدنى، بما يعزز فرص الجمهوريين ويؤكد على صحة منهجهم في السياسة الخارجية.
باختصار، الهجوم المستمر على أوباما، هدفه ببساطة توريطه والتأكد من أن التخلي عن سياسات الجمهوريين لن يحدث إلا بثمن باهظ، لا يدفعه أوباما وحده، وإنما يدفعه الحزب الديمقراطي نفسه من مستقبله السياسي.
كاتبة مصرية
