بينما أصداء تقرير غولدستون لا تزال تتردد في الأفق الدولي وتتفاعل تداعياتها المنذرة للقيادات السياسية والعسكرية الإسرائيلية، تتلقى إسرائيل ضربة موجعة من جهة غير متوقعة.
فقد قامت تركيا بإقصاء الدولة اليهودية من مناورات جوية مشتركة، بما يوحي أن تركيا قررت النأي بنفسها من شراكة استراتيجية مع إسرائيل، مع توجه تركي نحو إرساء قواعد لشراكة استراتيجية جديدة وغير مسبوقة مع سوريا العربية.
هذا تحول له مغزى قد يتجلى عملياً في وقت قريب. فسوريا تجمعها أيضا شراكة استراتيجية قوية مع إيران. وإذا تيسر قيام تحالف سوري ـ تركي ـ إيراني، فإنه قطعا سيكون بمثابة جبهة معادية لإسرائيل تتضمن مشاركة تركية في دعم المقاومة اللبنانية المتمثلة في حزب الله.
وإذا حدث شيء من هذا، فإنه سيكون أيضا على حساب علاقة تركيا الاستراتيجية مع الولايات المتحدة. كل هذا وغيره ينبئ بتراجع متعاظم في النفوذ الدولي الأميركي، وبالتالي تتقدم قوى أخرى إقليمية وعالمية لسد الفراغ. وفي مقدمة هذه القوى الصين وروسيا.
هذا ما يفسر لنا قيام التجمع التحالفي الجديد باسم «منظمة شنغهاي»، الذي يضم الصين وروسيا مع عدد من دول آسيا الوسطى. وهو تجمع من المتوقع، بحكم قوته الاقتصادية والعسكرية، أن يؤدي إلى تحييد النفوذ الأميركي في منطقة شرق آسيا، على خلفية تحول جذري وشامل في الرأي العام الياباني ضد الوجود العسكري الأميركي على الأراضي اليابانية.
وانعكس هذا التحول في الانتخابات اليابانية الأخيرة، حيث اكتسحها حزب المعارضة الذي يتبنى توجها استقلاليا، يقضي بالنأي عن الولايات المتحدة وتعزيز العلاقات مع الصين.
على المستوى الاقتصادي العالمي، ليست الصين وحدها هي القوة الاقتصادية الدولية التي تنافس الولايات المتحدة، رغم أن الخزينة الأميركية باتت مدينة للصين بنحو ثلاثة تريليونات دولار، فهناك أيضا ما يطلق عليه «القوى الصاعدة» وفي مقدمتها البرازيل والهند.
وما ينبغي الانتباه له في هذا الصدد، هو أنه بينما يتصاعد معدل النمو الاقتصادي في هذه الدول، فإن معدل النمو الأميركي يتهابط عاما بعد عام، مع تواصل تداعيات الأزمة المالية التي ضربت بنية الاقتصاد الأميركي في الصميم. في هذه الأثناء تتحرر دول في أميركا اللاتينية ـ الحديقة الخلفية للولايات المتحدة ـ من السيطرة الأميركية، وفي مقدمة هذه الدول فنزويلا والإكوادور وبوليفيا ونيكاراغوا.
والسؤال الذي يطرح هو: هل تعي القيادات والنخب العربية هذه المتغيرات المصيرية لتعيد تكييف تعاملها مع إسرائيل وأميركا؟ ليس مطلوبا من الدول العربية شن حرب على إسرائيل.. وإنما المطلوب والمتاح استثمار متغيرات العصر، لشن معارك دبلوماسية.. إنه دور واعد ينقصه صاحب.