ما كان من خارج التوقع أن لا تتجاوب إسرائيل مع توصيات تقرير غولدستون. قرار حكومة نتانياهو برفض تشكيل لجنة تحقيق خاصة، بإشراف دولي، للنظر في الاتهامات بارتكابها جرائم حرب خلال العدوان على غزة؛ كان تحصيل حاصل. من البداية، زعمت إسرائيل أن هذا التقرير منحاز ومتحامل ضدّها.
شنّت عليه حملة تشويه وتأليب. وكأن كل العالم على باطل وهي وحدها على حق. فجور، استقوى باحتضان واشنطن، كالعادة، لموقفها الرافض للتقرير.
بعد أن كان نتانياهو قد ألمح بإمكانية النظر في فكرة اللجنة؛ عاد وتراجع عنها. قيل انه رضخ لضغوط العسكريين وتهديد رئيس الأركان بالاستقالة، لو تشكّلت لجنة تحقيق. توزيع أدوار، لا أكثر. فلا هو ولا وزراء حكومته، أقل عداء لمثل هذه الاتهامات من عسكر الاحتلال والمجازر.
ولذرّ الرماد في العيون، تكرّم بتشكيل «فريق مهني»، لجمع التحقيقات التي أجرتها قيادة الجيش في بعض ممارسات الجنود في غزة. كمن يوكل القط بالجبنة.. استخفاف جلف، بالمجتمع الدولي وهيئاته.
الآن، هذه الأخيرة مطالبة بالرد على الاستهتار الإسرائيلي بها. في الطليعة منها، الجمعية العمومية للأمم المتحدة؛ المطروح عليها مناقشة التقرير قبل نهاية العام الجاري. فإحالة الملف إلى مجلس الأمن، مرهون بقرارها. لجنة متابعة الأمر لدى الجمعية، التي تضم دولاً عربية وإفريقية، طلبت من الأمين العام للأمم المتحدة، القيام بهذه الخطوة.
الالتزام بتنفيذ ما تطلبه الجمعية. وضمان التصويت، يضع القضية في عهدة مجلس الأمن الدولي، وهو أمر ينبغي إعطاؤه الأولوية، لأن وصوله إلى هناك، يفتح الباب أمام احتمالات، دخول العقوبات والمحكمة الجنائية الدولية؛ على الخطّ. حتى مع الاستخدام المتوقع للفيتو الأميركي، لقطع الطريق على مثل هذا الدخول؛ يكون التقرير قد وضع الكيان الصهيوني في قفص لم يسبق أن وجد نفسه فيه.
وفي أقله، من شأن المجلس أن يرغم إسرائيل على كسر رفضها والقبول بتحقيق داخلي، تحت إشراف دولي. حتى مثل هذا التطور المتواضع، من شأنه أن يؤسس لخطوات وحالات غير مسبوقة، تزيد من تضييق حرية الحركة على إسرائيل. ليس أقلها، خلق إشكالات لها في تعاملها مع كثير من الدول ـ خاصة أوروبية ـ، كملاحقة مسئوليها، عسكريين ومدنيين؛ وتعريضهم للتوقيف والاعتقال عند وجودهم في الخارج.
ومنها دول أوروبية . كذلك، تعرّضها لمقاطعة نقابية مهنية دولية، كما سبق وحصل مع نظام الابارتايد السابق في جنوب أفريقيا.
صحيح أن إسرائيل ما زالت تنعم بتأييد وازن. لكن الكيل بدأ يطفح تجاهها. الآن ثمة فرصة لزيادة محاصرتها. الكرة في الملعبين الفلسطيني والعربي.
