نعلم جيدا أن الخدمات الصحية المقدمة في بعض مستشفيات الدولة تحتاج في بعض جوانبها إلى «بلدوزر» يقلبها رأسا على عقب، ومتأكدون أيضا وبشهادة بعض العاملين فيها، أنها لا ترقى لمستوى الطموحات ولا تتناسب مع الملايين التي تنفقها الحكومة من أجل راحة المواطنين، وجعل الحصول على أفضل الخدمات الطبية بين أيديهم دون الحاجة للبحث عنها خارج هذه المستشفيات.. حقيقة لا يختلف عليها اثنان، لكن في المقابل ليس بالضرورة أن تكون كل الحلول التي تلجأ إليها وزارة الصحة صحيحة ومجدية.
ولا نعتقد أن «معسكر العقة» الذي اختارته الوزارة لإقامة ورش عمل لقيادييها من وكلاء ومديرين ورؤساء الأقسام، في وسعه أن يفعل شيئا في أيام انعقاده الخمسة، بل على العكس فإن الأمر بالنسبة للكثيرين ليس أكثر من تندر على الموقف برمته خلال الدورة، وهي عبارة عن محاضرات وأنشطة رياضية لمدة خمسة أيام، حيث يشترط وجود من تشملهم الدورة في المنتجع دون مغادرته، ولا يحق للموظفة اصطحاب محرم إلا بعد موافقة الوزير، وفي حال وجود رضيع يجب الحصول على موافقة الوزير مع بيان الأسباب لاصطحاب الطفل مع مربيته بالطبع وتحمل مصاريف إقامتهما، وإغلاق أجهزة الهواتف منعا للمقاطعة.
يتساءل الموظفون: ماذا لو كانت الوزارة قد اختارت تنظيم هذه الورش في قاعة في فندق خلال ساعات العمل الرسمية، دون أن تضطر الموظفات الأمهات إلى ترك بيوتهن وأبنائهن وإهمال متابعة دراستهم؟ هذا إذا سلمنا بأن في وسع هذا المعسكر أن يفعل شيئا. ذات الشكوى تبثها الدفعة الثانية من الموظفين من رؤساء الأقسام وغيرهم، ممن وجدوا أنفسهم في مواجهة مع 224 سؤالا يطرحها عليهم جهاز الحاسوب ويطالبهم بالإجابة عنها، في مشروع تقوم عليه شركة خاصة وكلف الوزارة 11 مليون درهم.
لا نتحدث هنا عن الملايين ولا عن المشروع، فقط نتوقف عند بعض أسئلة تلك الورشة التي تتحدث عن تحويل «اليورو» إلى «فرنك»، وأسئلة أخرى لا تمت لا للعمل الإداري ولا الفني ولا التخصص بشيء، ويرى الممتحنون فيها العجب أحيانا والاستخفاف أحيانا، والنتيجة بقاء الحال على ما هو عليه، وليس أمام هؤلاء سوى الإجابة وإلا..
السؤال.. أليس من المفترض أن وزارة الصحة، بإداراتها ومناطقها الطبية ومستشفياتها وعياداتها ومراكزها الصحية ومختبراتها وغير ذلك، تحوي عشرات التخصصات بين الشؤون المالية والإدارية والقانونية والتخصصات الطبية المختلفة، فهل من الممكن أن يصلح اختبار واحد لكل من فيها على اختلاف مواقعهم وتخصصاتهم؟!
لسنا ضد التطوير ولا تقييم الموظفين، خاصة ممن مضى على وجودهم في وظائفهم دهر من الزمن، وأصبح لزاما عليهم أن يتغيروا ويواكبوا التحديث، ليس في مجال تقديم الخدمة العلاجية فقط، بل في مختلف المجالات والإدارات، حتى تتمكن من فعل شيء وتستطيع ترجمة ما لديها من خبرات تراكمية إلى فعل يومي في الميدان الصحي. لكن هل يرى القائمون على «الصحة» أنهم أحسنوا اختيار المشروع وأن ما ذهبوا إليه هو الأفضل نحو التغيير، أم هو اختيار لن يكون أفضل من غيره جربته وزارات ومؤسسات أخرى ولم يثمر؟!
كثيرون يرون أن ما يحدث لا يقدم ولا يضيف شيئا لأنهم لا يجدون فيه جديدا، وإذا أخذ البعض الحماس في البداية فلا يلبث أن يخفت وهجه حتى يتلاشى، ويعود كل شيء إلى سيرته الأولى، باعتبار أنه هكذا جرت العادة في كثير من الحالات.. قليل من اللغة العربية وكثير من الإنجليزية وشيء من «البريزنتيشن»، وتسير الأمور.. والنهاية لا الوزارة تغيرت ولا العاملون فيها طرأ عليهم جديد.
