يتعرض الرئيس الأميركي باراك أوباما لضغوط مكثفة، لكي يمضي قدما الآن في تمرير استراتيجية واضحة المعالم تتبناها الولايات المتحدة في أفغانستان.

ويتحرك الكثيرون في واشنطن وكابول في إطار مناورات مكثفة، للتأثير في النقاش السياسي المحتدم حول هذا الموضوع في البيت الأبيض وغيره من دوائر صنع القرار الأميركي.

ويبذل السياسيون الذين يحتلون مواقعهم أيديولوجيا على يسار الرئيس، ونظراؤهم الذين يحتلون مواقعهم إلى يمينه، أقصى جهدهم للتأثير على الاستراتيجية النهائية التي سيتم تبنيها والمضي بها قدما في أفغانستان.

ويبدو أن هؤلاء وأولئك قد وضعوا الرئيس الأميركي في موقف لا يمكن إلا أن يخرج منه خاسرا. فهو إذا مضى قدما في تنفيذ اقتراح الجنرال ستانلي ماكريستال قائد القوات الأميركية في أفغانستان بزيادة القوات الأميركية هناك بصورة كبيرة، فإن ذلك يعني في حقيقة الأمر وضع أميركا تحت طائلة التزام لا تبدو له نهاية في الأفق، بحشد القوة البشرية والموارد المادية الأميركية في إطار جهد يبدو للكثير من المراقبين أنه من المحتم أن يُمنى بالفشل.

أما إذا لم يمض في هذه الرؤية وبدأ الانسحاب من حرب دامت 8 سنوات، فإن الجمهوريين سيبادرون إلى القول بأن ذلك دليل على أن الديمقراطيين وعلى رأسهم الرئيس أوباما، يلوذون بالفرار وأن موقفهم ضعيف في ما يتعلق بقضية الدفاع.

هكذا.. فإن الموقف المفروض على أوباما هو موقف خاسر، أيا كان المنهاج الذي سيتبناه ويتعامل معه. ويحس أوباما صنعا إذا استثمر الوقت في التفكير مليا، في ما يتعلق بطبيعة الاستراتيجية الأميركية في أفغانستان والنتائج التي ستترتب عليها، وعليه أن يبذل قصارى جهده للخروج بالقرار الصحيح.. وهذا بالفعل ما يبدو أنه يعتزم القيام به.

لماذا التعجل؟ ولماذا لا يستثمر الرئيس الأميركي الوقت بصورة حكيمة في الإصغاء لكل النصائح وبحث كل الافتراضات وموازنة كل التكاليف.. ثم التوصل إلى قرار يشعر بالارتياح حياله؟

إن الميراث الذي وصل إلى أوباما هو ميراث مؤسف، حيث قامت إدارة بوش بمهاجمة أفغانستان بعد أحداث 1 سبتمبر مباشرة.. ثم ما لبثت أن تحولت للاهتمام بحربها غير الضرورية والباهظة التكاليف في العراق، تاركة «القاعدة» وطالبان متواجدتين في معاقلهما، واستنزفت الحرب في أفغانستان الطاقة البشرية والموارد المادية الأميركية على امتداد سبع سنوات تقريبا.

ولم يوضح التقرير الذي رفعه الجنرال ماكريستال حول الوضع في أفغانستان، أن زيادة كبيرة للقوات الأميركية هناك من شأنها أن تقلب الأوضاع وتفضي إلى نجاح. وإذا كان الأمر كذلك، فكم سنة سيستغرقها الوصول إلى هذا الهدف؟!

ولم يوضح التقرير كذلك، من بين أمور أخرى، ما إذا كان هناك احتمال لفشل جهوده لتحقيق هذا الهدف، حتى ولو حصل على مزيد من القوات الأميركية، ولا كيف يمكن أن ينجح في أفغانستان من دون مساعدة باكستانية لا يعتقد أنها ستشق الطريق إليه؟ ولماذا يعتبر من الذكاء أن يزيد الجيش الأفغاني، بينما يعتبر عدد كبير للغاية من الأفغان أن حكومتهم فاسدة وغير شرعية؟

أوباما لم يعرض خلال حملته الانتخابية ما يفيد بأهمية أفغانستان في خدمة الأمن القومي الأميركي، ولا كيف أن حرب العراق كانت حربا سيئة، بينما حرب أفغانستان كانت جيدة.

لقد بدأ أوباما إدارته بموافقة سريعة على تعزيزات للقوات الأميركية، من شأنها أن تصل بعدد القوات في نوفمبر المقبل إلى 70 ألف جندي.

ومن الواضح أن ذلك لم يتح لأوباما وقتا كافيا على نحو ما كان يظن. وربما لم يسفر التخلص من قائد القوات الأميركية في أفغانستان، الجنرال ديفي ماكيرنان، وإحلال الجنرال ماكريستال محله ـ بينما هذا الأخير هو رجل عمليات خاصة له سجل من العمليات التي شنها ضد رجال حرب العصابات ـ لم يسفر هذا إلا عن المزيد من تورط الرئيس الأميركي في أفغانستان.

إن ماكريستال نفسه هو الذي يذهب إلى القول بأنه إذا لم يحصل على المزيد من القوات الأميركية، وعلى وجه الدقة ما يتراوح بين 40 إلى 45 ألف جندي إضافي مع نهاية هذا العام، فإن أميركا يمكن أن تخسر كل شيء في مواجهة طالبان.

ويبدو أن ما يتسرب من كابول، وعلى وجه التحديد من مقر قيادة القوات الأميركية هناك، يشير إلى وجود خلاف بين السلطات المدنية والعسكرية هناك. ومن المحقق أن الخسائر في صفوف المدنيين الأفغان قد تراجعت بصورة ملحوظة في الشهور الأخيرة، غير أنه كما تفيد الأنباء الواردة من ساحات المعارك هذا الشهر، فإن القوات الأميركية يسقط في صفوفها الكثير من القتلى والجرحى عندما لا تحصل على الدعم العسكري الذي تحتاج إليه. وقد لاحظ الآباء ورجال الكونغرس في رصدهم للتطورات الجارية في أفغانستان، التكلفة الباهظة للقواعد الجديدة التي اعتمدها ماكريستال.

إن محاولة وضع الرئيس الأميركي في موقف دقيق.. لعبة خطرة، نتائجها ليست مضمونة على الإطلاق. ومن الأمور الجيدة أن أوباما يريد المزيد من الوقت للتدقيق في كل التوصيات المقدمة إليه، والاستراتيجية العسكرية التي تعكسها هذه التوصيات.

إن قلة محدودة من الجنرالات هي التي حاولت خداع رؤسائها. وينصرف الذهن هنا إلى الرؤساء جورج ماكلينان، أبراهام لنكولن، دوجلاس ماكارثر، هاري ترومان. وفي تلك الحالات تم طرد الجنرالات، ووجد الرؤساء بدائل أفضل منهم.

صحافي أميركي متخصص في الشؤون الاستراتيجية

opinion@albayan.ae