تتابع إسرائيل باهتمام كبير مفاوضات فيينا بين إيران والدول دائمة العضوية في مجلس الأمن زائد ألمانيا، والتي تتعلق بالتوصل إلى اتفاق دولي مع طهران حول ترتيبات وحقوق التخصيب النووي، إذ إن مثل هذا الاتفاق سيمكن إيران من الخروج من عزلتها الدولية، ويزيل عنها في الوقت عينه احتمالات الضربة العسكرية لمنشآتها النووية، لا سيما من جانب إسرائيل.

المشروع النووي الإيراني يشكل كابوس رعب لإسرائيل، التي لا تثق كثيرا في أي اتفاق دولي حوله، إذ إنها تعتبره من وجهة نظرها خطوة تكتيكية من جانب إيران لتلافي العقوبات الدولية القاسية التي تنتظرها، والاستفادة من «جزرة» الحوار، لا سيما وأن إدارة أوباما تستخدم مع إيران استراتيجية مزدوجة تقوم على الترغيب (الجزرة) والتهديد بالعقوبات (العصا).

هذا ما عبرت عنه صحيفة «إسرائيل اليوم»، التي ترى أن إبرام اتفاق مع إيران يمكن انتهاكه لأن «مثل هذه الديكتاتورية لا تتردد في ترسيخ جوهر سياستها الخارجية القائم على الخداع الدولي، حيث في أحد الأيام سيفيق العالم ويكتشف أن القنبلة النووية الفارسية قد بُنيت، أو تم تنفيذ تجربة تحت الأرض، من دون أن تظهر أية إشارة على وجه أحمدي نجاد، وعلى الدوام سيوجد محامون يدعون لابتلاع المرارة».

رغم أن الخطاب الرسمي الإسرائيلي يتسم بالتشدد إزاء الخطر النووي الإيراني، فإن المحللين الغربيين يشككون في ذلك، إذ إنهم يرون أن إسرائيل تحاول تكييف نفسها مع خيارات مختلفة تدفعها حتى لتغيير مفاهيمها عن الأمن القومي والمخاطر. وهناك رؤية بدأت تتطور، وتتعلق بقراءة الموقف الإسرائيلي ومعطيات تحركه.

أولا، هناك مدرستان تتصارعان في إسرائيل حول حقيقة التهديد النووي الإيراني: الأولى، تعتقد في إرادة النظام الإيراني وحرصه على امتلاك القنبلة النووية، نظراً للأيديولوجيا الدينية التي يعتنقها، ودعواته ل«إزالة إسرائيل»، حيث استفادت هذه المدرسة من الخطب الطنانة للرئيس الإيراني أحمدي نجاد حول هذا الموضوع.

أما الثانية، فهي يعبر عنها وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك، الذي يقول «إيران لا تشكل تهديداً وجوديا لإسرائيل». ويتفق معظم الخبراء في إسرائيل، أن إيران لن تجازف بمهاجمة إسرائيل، لأن هذه الأخيرة تمتلك القدرة على الرد من خلال «الضربة الثانية»، نظرا لامتلاكها صواريخ كروز التي تطلقها غواصاتها. وفي نظر هؤلاء، إيران تتخوف بصورة أقل من السلاح النووي الإسرائيلي، بينما تتخوف بصورة أكبر من السلاح النووي الذي تمتلكه جاراتها في الشرق مثل باكستان، لا سيما إذا استلمت حركة «طالبان» السلطة، الأمر الذي سيفسح المجال لممارسة ما يعتبره الغرب «الإرهاب النووي».

ثانيا، يجمع المحللون الغربيون على أن ضرب المنشآت النووية الإيرانية مسألة أكثر تعقيدا من ذلك الهجوم الذي قادته إسرائيل لضرب المفاعل النووي العراقي «أوزيراك» في يونيو عام 1981، فتلك العملية تمت التهيئة لها في كنف السرية المطلقة. أما العملية المقترحة ضد إيران فيتم الخوض فيها علنا وفي وضح النهار. وفضلا عن ذلك، المسافة التي قطعها الطيران الصهيوني للوصول إلى بغداد قصيرة نسبيا، والهدف يتمثل في مفاعل نووي واحد.

أما المنشآت النووية الإيرانية، فهي موزعة على طول وعرض البلاد (وتقدر بما بين 30 إلى 50 موقعاً)، وهي بكل تأكيد محمية. وتقول التقارير الأميركية إن الضربة العسكرية الإسرائيلية كي تحقق هدفها بنجاح، تحتاج على الأقل إلى ما يزيد على 80 طائرة قاذفة مقاتلة، أو 30 صاروخا باليستيا من طراز «أريحا 3» الذي تبلغ قوة رأسه التفجيرية 750 كيلو غراما من المواد المتفجرة.

ثالثا، استبعاد إدارة الرئيس باراك أوباما للخيار العسكري ضد إيران، خوفا من إسقاطاته المدمرة على القواعد العسكرية الأميركية المنتشرة في المنطقة، لا سيما وأن إيران تمتلك القدرة على تسخين جبهة حزب الله شمال فلسطين، وتكثيف دعمها للحركات الإسلامية الجهادية التي تقاتل إسرائيل.

بالنسبة لإسرائيل، هل إيران النووية تمثل حالة شر أم الحرب ضد هذا البلد؟ القنبلة أم القصف الجوي؟ إنه الرهان الذي لم يحسم.

كاتب تونسي

tawfik-m@scs-net.org