بعيدا عمّا يجري من مشاورات مرتبطة بتشكيل الحكومة التي طال انتظارها، والمنسحبة تاليا على رغبة الفرقاء في لبنان بإظهار قدرتهم على ممارسة السيادة من خلال تفاصيل العمل «الديمقراطي» ذي النكهة الخاصة، فإن هناك بعض الملاحظات التي يجب تدوينها في ما يخص الصراع القائم، أي ذلك الصراع الذي قد يخف مع ولادة الحكومة العتيدة وينشر موجة من التفاؤل، لكنه، حسب رأيي، سيستعر حتما مرة أخرى في أي وقت، بسبب هشاشة الود الذي تكنّه الأطراف لبعضها البعض.

فتطورات هذه العملية تؤكد لنا مجددا عمق الأزمة التي يتخبط فيها الوطن اللبناني، في ما يتعلق بالتشارك في الحكم وصياغة القرار، قاصدا بذلك بالطبع المفهوم التنظيمي ـ اللوجستي لا الفكري ـ الإيديولوجي. ذلك أن الأول يُعتبر من التفاصيل البسيطة التي يمكن التفاهم عليها في المجتمعات الديمقراطية الصحّية، في حين أن الثاني يشكّل مفاصل الجوهر الذي على أساسه تنقسم الشعوب على بعضها البعض بدرجات متفاوتة.

ولأن الانقسام الفكري ـ الإيديولوجي في لبنان بات حالة ملازمة للواقع القائم، بغض النظر عن بعض التميّزات التي تظهر هنا وهناك حسب التطور الجيوسياسي القائم في المنطقة والعالم، فإن الظاهر في خضم معمعة الأحداث الآنية في لبنان، هو أن الخلاف يتركّز في الغالب على أمور مرتبطة بالحسابات التنظيمية والمصلحية، التي تتعدّى في نسبة صلافتها مصالح الدفاع عن الوطن والمواطن.

لبنان في جميع الأحوال، هو بلد يمتلك الكثير من المقوّمات لكي يتحول إلى مجتمع ديمقراطي سليم. لكن يخطئ من يظن أن للممارسة السياسية التي نشهد فصولها حاليا، أية علاقة جذرية مع الديمقراطية الحقيقية التي تتطلع إليها بشغف نسبة كبيرة من المواطنين. فطالما أن تقاسم الحلوى، ولا أقول الواجبات، يتم على أسس طائفية هشّة، لا يمكن الحديث عن ديمقراطية صحّية قادرة على صقل المجتمع وتحويله إلى آلة منسجمة ومتكاملة ودقيقة، تكون قادرة على مواجهة التحديات بكل إصرار ورقي.

جلّ ما نشهده في أتون هذا الصراع هو محاولات مفهومة، بحسب الواقع اللبناني، للاستفادة من التوزيع الطائفي وسحبه تاليا على المصالح الحزبية المختلفة، المتكاملة حتما مع مصالح تلك الطوائف، في حين أن منظار هؤلاء يبدو وكأنه يستبعد من حساباته المصالح الحقيقية للمواطنين.

وهذا ليس تنظيرا مبالغا فيه كما قد يحلو للبعض أن يصفه، لأن التجارب القائمة منذ تأسيس الجمهورية اللبنانية وحتى اليوم، قادرة على إثبات ذلك الاتهام بالأدلة الدامغة والقرائن الصحيحة، وما العنف المتلوّن بشتى الأشكال والذي نراه في يوميات السياسة اللبنانية، إلا خير شاهد على ذلك.

فإذاً، يبدو أن العمل السياسي في لبنان يمر بأزمة قد تكون مفيدة في مرحلة قادمة من تاريخ لبنان الحديث، لأنها ستضع الأطراف الفاعلة أمام وقائع جديدة قد تجبرهم على الغوص عميقا في مكوّناتها، أملا في أن ينطلق النقاش جدّيا نحو القضايا المصيرية، التي يطمح قطاع الشباب المستقل فكريا في تغييرها، أو على الأقل في إطلاق عجلة التطوير فيها.

ولكي تتمكن من كسب ثقة هذه الفئة من المواطنين، فإنه قد يكون من المفيد أن تولي الحكومة الجديدة أهمية قصوى لهذا الأمر، لأنها ستُثبت (لنفسها كما للمواطنين) أنها ستكون فعلا حكومة التغيير المنشود، وستسعى بكل أمانة لفتح كوة في جدار التخلّف الفكري والمؤسساتي الذي يكبّل الوطن ويمنع تطوره بالشكل المطلوب.

والاستقلال فكريا لا يعني بالضرورة رفض الأفكار الطائفية والحزبية القائمة حاليا، بل الترفّع عنها من أجل الوطن الواحد الموحّد، الذي يجب في المستقبل أن يحيا مستندا على التجربة الديمقراطية الحقيقية، والممارسة الحزبية ـ السياسية السليمة التي تكون عادة من أبرز مقاييس الرقي والحضارة في المجتمعات التي تتبنّى الديمقراطية الغربية أسلوبا لعملها وتوجهاتها.

أما من يريد الإصرار على التقوقع في دوائره الطائفية المغلقة، أو الحزبية المتحجرة، فيمكن منحه فرصة ممارسة ذلك الدور ضمن آلية ديمقراطية يُتّفق عليها، بحيث يكون ذلك بمثابة عجلة إضافية تساهم في دفع الوطن إلى الأمام، لا عائقا يمنع هذا التقدم.

في هذا السياق قد يكون مفيدا وضع هذا الدور ضمن صلاحيات المجتمع المدني بشتى فروعه. وهو أمر يدعو إليه كثيرون وأنا منهم، باعتبار أن إحياء وتفعيل مؤسسات المجتمع المدني يشكّل فرصة طيبة لإثارة النقاش السليم، ويطوّر الوعي الفكري للمواطنين. كما أنه يشكّل آلية فعالة للمراقبة، الديمقراطية حتما، تكون بمثابة الطرف الموازن للأداء الحكومي، أو بمثابة حكومة ظل مواكبة لها.

لقد أثبتت التجارب فعالية هذا النوع من العمل في كافة أنحاء العالم، وليس فقط على الصعيد المحلي. فمن يتذكّر بعض المحافل التي تعرّضت فيها إسرائيل لضغوط جدية ومؤثرة بسبب سجّلها السيئ والمأساوي في احترام حقوق الإنسان، يدرك أن مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية، كانت محورها الأساسي ومحرّكها الأبرز.

لكن يبدو من الوقائع القائمة على الأرض حاليا، أن لبنان سيستمر في كونه حالة فريدة واستثنائية في عجلة التطور العالمي الآخذة في التقدم بسرعة فائقة.

وأقصد هنا طبعا الناحية السلبية من هذا الاستثناء. فبعض مواطنيه يصرّون على «فرادة» العيش المشترك القائم على التمثيل الطائفي، بل ويعتبرونه أساسا في بقاء الوطن ونهضته. وهذا أمر يدعو للتعجب والاستغراب في الحد الأدنى، لكنه يطعن بلا شك في كثير من الأدبيات التي يعتمد عليها بعض القوى الحزبية ـ الطائفية، بخصوص ما تدّعيه من رغبتها في بناء وطن مثالي، يعتمد المبادئ الديمقراطية أساسا لتطوره.

لا نريد التفاؤل كثيرا في ما يخص بروز إمكانيات لتحقيق التطور الذي يطمح إليه معظم أبناء الوطن. فإذا كان تشكيل الحكومة الائتلافية ـ الطائفية قد استغرق كل هذا الوقت والعناء، فكم إذا ستستغرق عملية ترميم الوطن بأكمله؟!

كاتب لبناني

ezzedine@vol.cz