في الساعة السادسة من صباح يوم 22 أكتوبر، حدثت أعجوبة هندسية فلكية مصرية تثير الدهشة، إذ تعامدت أشعة الشمس مع باب المعبد الفرعوني الشهير المطل الآن على «بحيرة ناصر» من جبل رملي عال في مدينة «أبو سمبل» جنوبي أسوان، لتمتد في العمق وتشكل دائرة ضوئية على وجه تمثال الملك رمسيس الثاني.
وهو أشهر الفراعنة المحاربين في عصر الدولة الحديثة، والذي حرر مصر من الهكسوس حتى الشام، وتمددت جيوشه حتى الأناضول حينما انتصر على «الحثيين» في معركة «قادش» المسجلة بصورها على «معبد الرمسيوم» في مدينة الأقصر، والذي يقال إنه «فرعون موسى»!
وهذه أعجوبة هندسية فلكية، لا تقل إثارة عن الأعجوبة الهندسية المعمارية في إنشاء المعبد ذاته تخليدا لانتصاراته الحربية، إذ إن معبد أبوسمبل لم يبن بمكعبات الأحجار بطريقة البناء التقليدية، بل حفر حفرا في جبل صخري قبل أربعة آلاف سنة على النيل خلف موقع السد العالي في أسوان، وحفرت على واجهته أربعة تماثيل جالسة لرمسيس بارتفاع 24 مترا، وتقف إلى جانبه بارتفاع لا يتجاوز ارتفاع ركبتيه زوجته الملكة «نفرتاري»، وفي باطن الجبل حفرت الصالات والأعمدة والتماثيل الجانبية، حتى نصل إلى القاعة الأخيرة «القاعة المقدسة» وفيها تمثال رمسيس الذي تضيء وجهه دائرة من ضوء الشمس مرتين في العام!
هذه الأعجوبة المصرية القديمة في عهد رمسيس، تلتها أعجوبة مصرية حديثة أكبر في عهد جمال عبد الناصر، هي بناء السد العالي، الذي رفضت أميركا تمويله، ولأجله أممت مصر قناة السويس، وتصدت للعدوان الثلاثي، وانتصرت في التحديات الثلاثة: القناة، والعدوان، وبناء السد العالي الذي ساعدت روسيا على بنائه، كأهم العجائب الهندسية الجبارة في العالم، ليبقى نصبا تذكاريا للصداقة بين الشعبين، وليمثل أهرام مصر الحديثة، حيث بني بأحجار جرانيتية تزيد على الأحجار الجيرية التي بني بها الهرم الأكبر مئات المرات!
وهنا حدثت أعجوبة مصرية رابعة في معبد أبي سمبل، ارتبطت ببناء السد لا تقل روعة عن أعجوبة البناء، وهي الحل العبقري المصري للمعضلة التي واجهت بدء المشروع الجبار، إذ إن ارتفاع المياه في «بحيرة ناصر» سوف يغرق «معبد رمسيس» عندما يتم البناء، فتحركت مصر ومعها العالم لإنقاذ معبد أبي سمبل، بنقله إلى مكان مرتفع يعصمه من الطوفان. لكن العالم واجه مشكلة أخرى، وهي كيف يتم نقل هذا الجبل الصخري المجوف..
والأهم كيف سنحافظ على موعد سقوط ضوء الشمس سنويا على وجه رمسيس، مرة في 22 أكتوبر ذكرى إغراق المدمرة الإسرائيلية إيلات عام 67، ومرة في 22 فبراير ذكرى إقامة الوحدة المصرية السورية عام 1958؟!
فتمت مسابقة عالمية بإشراف اليونسكو لنقل المعبد، ومن بين المشاريع الأميركية والروسية والألمانية فاز المشروع المصري، وكان فكرة معجزة في بساطتها قبل أن يكون مشروعا معجزا في دقته، مثل الفكرة المعجزة في بساطتها في حرب رمضان المجيدة، استفادة من خبرات السد العالي باستخدام خراطيم المياه لاختراق «خط بارليف» الحصين!
وبحمد الله تم نقل المعبد بسلام، وتم بناء السد العالي عام 68 بأعجوبة مصرية كبرى في ذكرى الثورة المصرية، وبعد هزيمة 67 بعام واحد وقبل موعده بستة شهور، فكانت أكبر إشارة على قدرة الشعب المصري على مواجهة التحديات، وأوضح بشارة على قدرته على تحقيق النصر!