قبل فترة من الزمن، برزت قوى تعارض التقدم في المجتمع، من خلال هجوم كاسح على المرأة، وذلك كما ورد في تقرير حول المجلس الوطني الاتحادي، من خلال تقييم عمل المجلس في الفترة الماضية، مستخدمين في ذلك اللغة الإحصائية، إلاّ أنها كانت انتقائية، دون الأخذ بعين الاعتبار الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
هكذا توصلوا إلى حقائق بأن دور المرأة لم يكن على المستوى المطلوب! وتناسى الجميع أنه من خلال التجربة الانتخابية الأولى في الإمارات، لم تنجح إلاّ عضوة واحدة في إمارة أبوظبي هي الدكتورة أمل القبيسي، بل إن بعض أعضاء المجلس كان يردد على أسماع الناخبين أنه لن يتم انتخاب النساء في المجلس، وقد سمعت ذلك في مقر انتخابي في إحدى الإمارات، إضافة إلى عوامل أخرى. فما كان إلاّ مواجهة ذلك بقرار سياسي واعٍ، بتعيين مجموعة من المواطنات في المجلس الوطني الاتحادي.
كانت تلك الفترة من المراحل الهامة في تطور المشاركة السياسية في الحياة البرلمانية، وكان الحماس قد انتشر بين المواطنات للمرة الأولى. إلاّ إن حركة مقاومة التطور والتقدم، قد لعبت دوراً في نشر ثقافة المجتمع الذكوري. وللأسف أثر ذلك في نفسية نصف المجتمع.
لا بد من التذكير بأن المرأة قد انخرطت في العملية التعليمية في الإمارات بنسبة أعلى من الرجال، وخاصة في التعليم العالي، وهي بذلك تقبل التحدي الاجتماعي، وقد أثبتت جدارتها من خلال العمل الدؤوب وتحدي المعوقات، في الوقت الذي لم يثبت كثير من الرجال دورهم في المجالس السابقة، فكم من عضو لم ينطق بحرف واحد خلال المرحلة السابقة، ولم يثبتوا جدوى وجودهم في المجلس.
إن معاول الهدم كثيرة، وهي في حالة دفاع عن الذات، ولعل تجربة دولة الكويت تؤكد على أن وجود عضوات في المجلس حركت المياه الراكدة، بالرغم من أن قوى سياسية حاولت وبكل الوسائل أن تحول دون دخول المرأة في معركة الحياة السياسية.
كان قرار السلطة السياسية في الإمارات بإشراك المرأة في المجلس، يعني أن القيادة الوطنية تواكب المتغيرات السياسية في العالم، فليس من المعقول تعطيل نصف المجتمع، وهو الذي يعاني من الخلل السكاني!
وقد أكدت العناصر النسائية، سواء في المجلس الوطني الاتحادي أو في مجلس الوزراء الاتحادي، وفي الوظائف الأخرى، أن المرأة تقدم الكثير لتؤكد على حقيقة أنها لا تقل عن المواطن من الذكور في أداء واجباتها، وأنها تستطيع أن تبدع بالرغم من كل المعوقات الاجتماعية والاقتصادية. ألم تكن ملكة سبأ بلقيس نموذجا لقوة المرأة وأنها تستطيع أن تنجز طموحات الجماهير في تلك الفترة التاريخية القديمة؟
أما في العصر الحديث فقد أثبت العديد من السيدات قدرة متميزة على الإدارة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، سواء في العالم المتقدم أو النامي. ودون الدخول في التفاصيل، فإن المرأة هي الأصل، مهما حاولت قوى الظلام التاريخي أن تحول دون ذلك.
ألم يؤكد ذلك سيد الخلق رسولنا الكريم حينما قال: «خذوا نصف دينكم من هذه الحميراء»، ويقصد سيدتنا عائشة رضي الله عنها!
إلا أن مراحل التدهور الحضاري والإنساني في العالم، أعادت النظرة الدونية للمرأة، وكأنها بدون عقل أو عمل، بل هي جزء من الديكور، أو أداة من أدوات الدمار!!
ربما ساهمت آلة الاستهلاك، وخاصة في الإعلام، في بروزها كتحفة فنية يجب المحافظة عليها كرمز للغريزة الحيوانية! في حين أن بعض الثقافات القديمة أكدت على عكس هذه النظرة، ولعل في روما القديمة ما يؤكد على ذلك.
إن محاولات بعض القوى الاجتماعية وضع العصا في عجلة التقدم، ما هي إلاّ الرمق الأخير لظاهرة التخلف الاجتماعي، إلاّ أن التقدم العلمي في الوقت الراهن، يؤكد أن الذكاء لا يفرق بين الرجل والمرأة، وأن الظروف الاجتماعية هي التي تحدد من هو الأفضل.
إن الإنسان هو الإنسان، ومجال التحدي مفتوح للجميع، ومن المهم أن يلعب الوعي الاجتماعي الدور الأساسي في تحديد الأولويات، فكم من الرجال دمروا العالم، وكم من النساء أنقذوا العالم من الهلاك!
كل هذه الأفكار دارت في عقلي وقلبي، وأنا استمع إلى كلمات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في افتتاح المجلس الوطني الاتحادي، حينما أكد على دور المرأة في الحياة السياسية والمشاركة فيها. وحينما أسترجع دور المرأة الإماراتية في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، أجدها تؤكد على أنها مواطن منتج ومعطاء، بكل ما تحمله هذه الكلمات من المعاني.
إن المرأة هي الأم، وهي المعلمة، وهي التي تقدم التضحيات من أجل الوطن والإنسان، وهي التي تقدم نفسها كنموذج للأداء الدائم.. ليس كصورة أو جسد، وإنما هي التي تطغى على الصورة من خلال عملها الدائم من أجل البشرية.
أستاذ علم الاجتماع السياسي
